بين استحقاقات المواطنة وعبء الماضي..!

كتب:
جسار فاروق مكاوي
الدولة الحديثة لا تُبنى بأدوات الماضي، ولا يمكن لصياغة المستقبل أن تتم بمنطق الإقصاء أو إعادة إنتاج مفاهيم التمييز التي عانى منها الجنوب في مراحل مختلفة.
يتحدث الدكتور ياسين سعيد نعمان عن المواطنة كقاعدة للشراكة، وهذا في جوهره مبدأ سليم، لكن السؤال الأهم: من الذي حُرم من هذه المواطنة سابقًا؟ ومن الذي منح نفسه حق تصنيف الآخرين بين مواطنين حقيقيين وآخرين مجرد “أدوات للاستعمار والرجعية”؟
الجنوب تاريخيًا لم يكن ملكًا لجماعة دون أخرى، ولم تكن هناك فئة واحدة تحتكر النضال أو تدّعي امتلاك الحق المطلق في رسم ملامح الدولة. التجارب التي مر بها الجنوب أفرزت تحديات جسيمة، ومن الحكمة أن تُستخلص العبر دون الوقوع في تكرار ذات الأخطاء التي أدت إلى انقسامات مجتمعية حادة.
إن الحديث عن دولة المواطنة ينبغي أن يكون التزامًا عمليًا وليس مجرد شعار، ويبدأ ذلك بالاعتراف بأن كل الجنوبيين شركاء متساوون، وليسوا رهائن لروايات سياسية تضع هذا في خانة الوطنية وذاك في خانة الرجعية.
إذا كانت هناك رغبة صادقة في بناء دولة جنوبية عادلة، فإن تصحيح الأخطاء التاريخية ضرورة، وأول هذه الأخطاء هو الإقصاء الذي مورس على فئات واسعة من المجتمع الجنوبي، تحت مسميات أيديولوجية لم تخدم سوى تعميق الانقسامات.
نعم، المواطنة هي سفينة النجاة، لكن لا يمكن الإبحار بها إن لم يكن كل من على متنها يشعر بأنه جزء حقيقي من الوطن، لا عابرًا فيه ولا مدانًا بماضي لم يكن له يد في صناعته.