مقالات

سيف الحاضري وخطاب الهروب من الحقيقة

كتب: علي محمد سيقلي

في كل مرة يفشل فيها حزب الإصلاح في استعادة نفوذه داخل الجنوب، يخرج بعض قياداته بخطاب مرتبك يحاول إعادة تفسير المشهد وفق عقلية المؤامرة، لا وفق حقائق الأرض والواقع.
هذه المرة، جاء الدور على السعودية نفسها، بعد سنوات طويلة ظل فيها الإصلاح يعتبرها الحليف الأكبر، والسقف الذي احتمى تحته سياسيًا وعسكريًا وإعلاميًا. فجأة أصبحت الرياض ـ بحسب خطاب سيف الحاضري ـ شريكًا في “العبث”، وغطاءً للمجلس الانتقالي، ومسؤولة عن بقائه واستمراره.
المضحك في الأمر، أن الخطاب الإصلاحي يقحم السعودية اليوم بالقدر نفسه الذي ظل لسنوات يقحم فيه الإمارات، ويتهمها بأنها “تصنع الانتقالي” و”تموله” و”تدفع به إلى الواجهة”، وكأنهم يريدون إقناع الناس أن قضية الجنوب بكل تعقيداتها وتاريخها واختلالاتها ليست سوى مشروع خارجي تم تفصيله خصيصًا ضدهم.
بينما الحقيقة التي يعرفها الجميع، أن المجلس الانتقالي لم يهبط من السماء، ولم يُصنع داخل غرف مغلقة، بل خرج من رحم قضية جنوبية حقيقية، سالت فيها دماء، وتراكمت فوقها عقود من الإقصاء والنهب والحروب، منذ أن قررت مراكز النفوذ في صنعاء التعامل مع الجنوب كغنيمة حرب لا كشريك وطن.
والأكثر إثارة للسخرية، أن السعودية نفسها اتخذت خلال مراحل عديدة خطوات أضعفت الانتقالي، وأخّرت حضوره، وفتحت المجال أمام خصومه للعودة إلى المشهد، بل إن كثيرًا من القوى التي تحارب الانتقالي اليوم، عادت أصلًا عبر تفاهمات وترتيبات رعتها الرياض نفسها، خدمةً لتوازنات كانت تصب ـ بشكل أو بآخر ـ في مصلحة الإصلاح وحلفائه.
لكن الإصلاح لا يريد الاعتراف بالحقيقة، لأنه اعتاد تسويق نفسه كضحية دائمة، حتى وهو شريك رئيسي في كل الفوضى والانهيارات التي عاشتها البلاد، منذ سنوات ما قبل الحرب وحتى اليوم.
ثم بأي منطق يتحدث سيف الحاضري عن “التمرد على الدولة”؟ عن أي دولة يتحدث أصلًا؟ الدولة التي تحولت إلى شبكة ولاءات ومصالح وجيوش حزبية؟ أم الدولة التي انهارت مؤسساتها بينما كانت القوى المتنفذة تتقاسم النفوذ والثروة والمناصب باسم الشرعية؟
لكن ما يثير السخرية فعلًا، أن الإصلاح يريد من الناس ابتلاع روايتين متناقضتين في الوقت نفسه: مرة يقول إن الإمارات هي من تصنع الانتقالي وتدفعه للمشهد، ومرة يصرخ بأن السعودية هي من توفر له الغطاء وتحميه! وكأن الدولتين تعملان وفق جدول يومي يكتبه إعلام الإصلاح بحسب مزاج اللحظة السياسية.
الحقيقة التي يحاولون الهروب منها، أن الانتقالي لم يعد ظاهرة يمكن دفنها بمنشور أو بخطاب تخوين، لأنه أصبح رقمًا سياسيًا وعسكريًا وشعبيًا فرض نفسه على الأرض، رغم كل محاولات الحصار والاستنزاف والتشويه.
المشكلة أن بعض قيادات الإصلاح لا يريدون الاعتراف بحقيقة واحدة: الجنوب لم يعد يقبل العودة إلى ما قبل 2015، ولا إلى زمن الوصاية الحزبية، ولا إلى مرحلة إدارة الجنوب بعقلية الغلبة والغنيمة.
والأطرف من كل ذلك، أنهم يتحدثون عن “الانتهاكات” بلسان ملائكي، وكأن تاريخ اليمن الحديث لا يحمل سجلًا طويلًا من الحروب والإقصاء والاغتيالات والفتاوى والتحريض، الذي كانت قوى الإسلام السياسي جزءًا رئيسيًا منه.
أما السعودية التي يحاولون اليوم إحراجها إعلاميًا، فهم أنفسهم أكثر من احتمى بها، وأكثر من استفاد من تدخلاتها، وأكثر من صمت عن قراراتها حين كانت تخدم مصالحهم.
لهذا، فإن محاولة تحميل السعودية مسؤولية وجود الانتقالي ليست دفاعًا عن الدولة، بل مجرد محاولة يائسة للهروب من الحقيقة: الإصلاح خسر الشارع الجنوبي منذ زمن، وخسر قدرته على فرض وصايته القديمة، ولم يعد يملك سوى الضجيج الإعلامي، وإعادة تدوير خطاب التخوين، وبيع أوهام “الشرعية” التي تآكلت تحت أقدام الجميع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى