من زنجبار إلى جعار.. فشل متنقل وكيان يبحث عن جمهور مستعار

كتب: نايف الرصاصي
لم تستفد اللجنة التحضيرية لما يُسمّى بالمجلس التنسيقي في محافظة أبين من مشهد الفشل الذي ظهر في زنجبار، بل قررت أن تعيد التجربة نفسها في جعار، وكأن المشكلة كانت في المكان لا في الفكرة. فبدل مراجعة الأسباب الحقيقية لعزوف الناس، جرى التعامل مع القضية بعقلية: «إذا لم ينجح الحشد الأول، فلنضاعف عدد الكراسي والصور
وفي جعار، بدا أن الرهان عاد مجددًا إلى جمع أكبر عدد ممكن لممثلي منظمات المجتمع المدني من جمعيات ومؤسسات، لا لإقناعهم بمشروع واضح أو برنامج قابل للنقاش، بل عبر ضغوط ووعود وتهديدات بحرمان المتخلفين عن اللقاء من تدخلات المنظمات الإغاثية والإنسانية، التي كشفت حجم الإفلاس الذي يدفع أصحابه إلى استبدال القناعة بالابتزاز
المفارقة أن من يديرون هذا المشهد يظنون أن امتلاء القاعة يعني امتلاء الشارع اقتناعًا، وأن صورة جماعية يمكن أن تتحول تلقائيًا إلى تأييد شعبي. لكن الناس في أبين يعرفون الفرق بين حضورٍ مفروض بسبب الحاجة، وحضورٍ نابع من الإيمان بالفكرة، وبين ورقة توقيع تُنتزع تحت الضغط وموقف سياسي يُبنى على قناعة.
أما الحديث عن مشروع تنسيقي جامع، فيظل بلا معنى ما دام بلا رؤية واضحة، ولا أهداف معلنة، ولا قدرة على مخاطبة هموم الناس الحقيقية؛ من الرواتب والخدمات والأمن والاقتصاد، إلى القضية السياسية التي تشكل جوهر اهتمام أبناء الجنوب. فالكيانات لا تُصنع في قاعات مغلقة ولا تُنفخ بالحشود، بل تُبنى بالثقة والصدق والقدرة على تمثيل الناس.
ما لم يستوعبه القائمون على هذا المخطط السعودي، هو أن وعي المجتمع في أبين لم يعد سهل الخداع، وأن محاولة إنتاج كيانات سياسية كرتونية لن تغيّر من الواقع شيئًا. فكلما تكرر المشهد نفسه، ازدادت الرسالة وضوحًا، فلا يمكن تمرير المشاريع العابرة لإرادة الناس عبر الحشد المصطنع، ولا يمكن اختزال قضية شعب في لجنة وبيان وصورة جماعية.
باختصار خلال فعالية اليوم، انتهى المشهد على نحو يكشف هشاشته أكثر مما يخفيها؛ إذ انسحبت اللجنة التحضيرية، وسط صخب وشعارات رافضة لما يُسمّى بالمجلس التنسيقي، ورفضٍ لأي مشروع يُنظر إليه باعتباره محاولة لتمزيق النسيج الاجتماعي ووحدة الصف الجنوبي. وهذه ليست مجرد فوضى قاعة، بل رسالة سياسية واضحة، بأن أبين ليست محطة لتجريب الكيانات الكرتونية، ولا ساحة لتوزيع الفتات مقابل صمت الناس أو حضورهم. ومن يريد احترام أبين، عليه أن يحترم وعي أهلها وإرادتهم، لا أن يطارد جمهورًا مستعارًا من قاعة إلى قاعة.
