مقالات

على موائد الفقراء… هل أصبح الرز رفاهية؟

كتب: علي سيقلي

هناك أوطان تُقاس فيها كرامة الإنسان بما يملكه، وهناك أوطان تُقاس بما يستطيع أن يطعمه لأطفاله. أما نحن، فقد وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها المواطن يقف أمام كيس الرز كما يقف الفقير أمام واجهة متجر للمجوهرات؛ ينظر إليه طويلًا، ثم يشيح بوجهه حتى لا يرى أطفاله انكسار عينيه.
أي زمن هذا الذي يصبح فيه الرز، وهو أبسط مكونات المائدة، ترفًا لا يقدر عليه الموظف؟
كيف يمكن لموظف يتقاضى خمسةً وعشرين ألف ريال، أو حتى مئة ألف ريال، أن يشتري كيس أرز يتجاوز ثمانين ألفًا، وقد يصل إلى مئة وخمسين ألف ريال؟ وإذا كان الرز وحده يلتهم الراتب، فماذا بقي للدقيق والزيت والسكر والحليب والدواء والإيجار والكهرباء والماء والمواصلات؟
أي معادلة هذه التي لا ينجح فيها إلا الجوع؟
المأساة ليست في ارتفاع الأسعار وحده، بل في أن المرتب نفسه أصبح رحلة عذاب. ينتظر الموظف راتبه بالشهور، يراجع ويطالب ويقف في الطوابير، وكأنه يتسول حقًا كفله له القانون. وحين يصل الراتب أخيرًا، يكتشف أنه لم يعد راتبًا، بل ورقة اعتذار لا تكفي لسد رمق أسرة لأيام معدودة.
في عدن اليوم، لا يموت الناس فجأة، بل يستهلكهم الجوع بالتقسيط.
أبٌ يؤجل شراء الدواء ليشتري كيس دقيق. وأمٌّ تقلل حصتها من الطعام حتى يشبع أطفالها. وموظفٌ يخجل أن يعود إلى منزله لأن أبناءه يسألونه عن شيءٍ يعلم أنه عاجز عن توفيره.
هذه ليست حكايات تُكتب لإثارة العاطفة، بل وقائع تُعاش كل يوم خلف أبواب البيوت التي لا يسمع أنينها أحد.
إن المسؤول الذي لا تصله صرخات الجائعين، لا يحتاج إلى تقرير اقتصادي، بل يحتاج إلى أن يجلس يومًا واحدًا على مائدة موظف بسيط، ليرى كيف أصبحت الوجبة الواحدة إنجازًا، وكيف صار الخبز يُقسم بالحساب، وكيف غاب الرز عن موائد أسرٍ منذ أشهر، ليس لأنها تتبع حمية غذائية، بل لأنها لا تملك ثمنه.
أي مسؤول يستطيع أن ينام مطمئنًا وهو يعلم أن آلاف الأسر أصبحت تحسب وجباتها كما يحسب التاجر أرباحه؟
وأي ضمير يحتمل أن يرى موظفًا أفنى عمره في خدمة الدولة، ثم يقف عاجزًا عن شراء أبسط احتياجات أطفاله؟
القضية اليوم لم تعد قضية سياسة ولا خلافات ولا بيانات ولا مؤتمرات. القضية أصبحت قضية لقمة عيش. والجائع لا ينتظر خطابات، بل ينتظر من ينقذه قبل أن يبتلعه اليأس.
إن التاريخ لا يتذكر عدد الاجتماعات التي عقدها المسؤولون، بل يتذكر كم طفلًا أنقذوا من الجوع، وكم أسرة أعادوا إليها كرامتها.
ومن يظن أن الجوع لا يصنع شيئًا، فليقرأ التاريخ جيدًا. فالجائع قد يصبر طويلًا، لكنه حين يفقد الأمل، لا يعود يخشى شيئًا.
هذه ليست رسالة ضد أحد، بل رسالة إلى كل من بيده قرار، أو يملك نفوذًا، أو يستطيع أن يخفف عن الناس شيئًا من هذا الوجع.
اتقوا الله في هذا الشعب.
فدعوة أمٍ لم تجد ما تطعم به أبناءها، ودمعة موظف كسره العجز، وأنين طفل نام جائعًا… كلها ترتفع إلى السماء بلا وسيط.
وقبل أن يُسأل المواطن: لماذا غضب؟ سيُسأل كل مسؤول: ماذا فعلت حين كان شعبك يجوع؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى