مقالات

حينما تصبح نظرية المؤامرة بديلا للعقلانية في تفسير الواقع

كتب: د. وليد ناصر الماس

 

عندما يخفق طالب في التعليم الأساسي في امتحان ما بمجتمعاتنا النامية، فأنه يلقي باللوم على المعلم، وعلى المنهج التعليمي، وعلى الحصص الدراسية المكرسة للتدريس، وعلى زمن الامتحان، ويحاول التنصل عن مختلف مسؤولياته المباشرة والتزاماته، فتجده يتحدث عن معلم مقصر، وغير ملم بمادته الدراسية، ويتبع طرائق تدريسية غير ملائمة، إضافة إلى أسلوبه غير الجيد في التعامل مع طلابه، وتغيبه عن الحصص الدراسية، ثم إن المنهج الدراسي لم يكن ممهدا ومشروحا، ولم يعد مناسبا للمستوى التدريسي، مضافا لذلك ندرة المراجع التعليمية ذات الصلة، علاوة عن عدم كفاية الحصص الدراسية المخصصة للتدريس وتقديم المادة، أما زمن الامتحان فهو الآخر لم يكن متناسبا مع الأسئلة المتفرعة، وكافيا لكتابة الإجابة عنها، وبذلك يحاول هذا التلميذ جاهدا تقديم مبررات وتفسيرات عن إخفاقه وتسيبه وقلة اهتمامه، ولن يعترف بالحقيقة المطلقة، بل يرجع سبب تأخره وإخفاقه لعوامل متعددة محيطة به، فيستريح ضميره، وربما يتعاطف معه جمهور واسع من معارفه.
لا يقتصر الأمر على طلاب مدارسنا، بل حتى الأنظمة الفاشلة في بلداننا النامية، غالبا ما ترجع أسباب فشلها للمؤامرات الخارجية، وتحاول إقناع شعوبها بشتى السبل على أن لولا تلك التآمرات لصارت في القمة، مما يدفع جمهور عريض من أبناء شعبها لتصديق مثل هذه التسويقات السخيفة.
لا يختلف اثنان حول وجود أطماع ومؤامرات، وفي هذا السياق لا يخلو بلدا من بلدان العالم دون أن يكون له أعداء ومتربصين، يترقبون فرصة سقوطه للانقضاض عليه، والاستحواذ على مقدراته والاستفادة من موقعه، ولكن لا يسقط في الفخ إلا الضعفاء، فالأقوياء دائما ثابتين ومتماسكين وراسخين، لا تؤثر فيهم العواصف والأنواء، وهذا السر الكامن وراء سقوط بلدان العالم الثالث، واحد تلو الآخر، ففي حين تتكتل الدول من حولنا، وتنسق جهودها لمجابهة التحديات المختلفة (سياسية، وتنموية)، تختلف أقطار المنطقة العربية لأسباب غير وجيهة، رغم وجود قواسم وأهداف مشتركة كثيرة، وإمكانات هائلة، إلا أن الاختلاف يظل سيد الموقف، ولا صوت يعلو فيها على صوت المؤامرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى