مقالات

عدن.. بين هشاشة الترتيبات العسكرية وغياب القبول السياسي

بقلم: صالح علي محمد الدويل

أكدت أحداث الأسبوع الماضي أن الاستعراضات العسكرية التي نُفذت منذ شهر يناير لم ترتقِ إلى مستوى بناء مؤسسة عسكرية ذات عقيدة وطنية، وظلت حبيسة الشكل والمظهر دون مضمون حقيقي.
لكن اختزال الأزمة في الجانب الأمني، وتجاهل السياق السياسي ودور الشرعية، هو هروب متعمد من الحقيقة التي يحاول البعض تجاهلها.
الحقيقة الأولى: إن المجلس الرئاسي لا يمتلك اليوم أي ثقل حقيقي في الجنوب، ووجوده نتاج توافق إقليمي بـ”حبل من الناس”، لا استحقاق شعبي. وهو غائب عن وجع الناس اليومي: الراتب، والكهرباء، والخدمات. كما أن تعييناته قائمة على المحاصصة لا الكفاءة. وفي ظل هذا الغياب، كيف نطلب من المواطن الدفاع عن سلطة لا يشعر بوجودها؟
وتفاقمت أزمة الشرعية عندما جرى التنازل عن ثوابت الحق والعدل، وتسويغ تبادل قاتل مُدان بحكم قضائي بات ضمن صفقة أسرى. فلا يمكن لجيش، مهما كانت عقيدته، أن يقف ضد الحق الشرعي والقانوني لوليّ الدم، ولا لدولة محترمة أن تسمح بتحويل الدماء إلى سلعة في سوق المساومات.
الحقيقة الثانية: إن الترتيبات العسكرية وحدها لن تصنع استقرارًا؛ فقد تتمكن من نشر الأطقم في شوارع عدن، لكن من دون غطاء سياسي ومجتمعي يحظى بثقة الناس، ستنهار عند أول اختبار. وحتى إن نجحت القوة اليوم في “تمرير بيع الحق”، فإن الغد سيحمل ثارات ومدينةً منهكة.
والأخطر من ذلك هو تجاوز القانون؛ فالتبادل يجب أن يشمل أسرى المعركة فقط، لا المحكومين في قضايا قتل بأحكام باتة. وإلا، فما معنى القضاء؟ وأين هيبة الدولة التي نطلب من الناس أن يكون موقفهم منها “سمعًا وطاعة”؟
ما حدث في عدن لا يمكن اختزاله في الجانب الأمني، فالحل يبدأ سياسيًا. فالمدينة تمثل رئةً حيوية لطرق التجارة الدولية، وتفجير الأوضاع فيها لن يكون في مصلحة أحد. ولا أمن مستدامًا دون مشروع سياسي يحقق تطلعات الجنوبيين ويستعيد ثقة الناس. وغير ذلك، سنظل نراكم الفشل حتى ينهار كل شيء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى