مقالات

محطة أبحاث الكود.. الحقيقة المُرّة

كتب: م. عبدالقادر السميطي

تألمت كثيراً وأنا أستمع إلى حديث مدير محطة البحوث الزراعية بالكود عبر إذاعة “عدن الغد”.
لم يكن حديث مسؤولٍ يؤدي واجبه فحسب، بل كان صوتاً مثقلاً بالألم والحزن، يروي حكاية صرحٍ علميٍ كبير يقف اليوم وحيداً، بعد أن كان أحد أهم منارات البحث الزراعي في اليمن وشبه الجزيرة العربية.
كلمات خرجت من القلب، فلامست كل من يعرف قيمة العلم، وكل من يؤمن بأن الأمن الغذائي يبدأ من المختبر قبل أن يصل إلى الحقل.

محطة البحوث الزراعية بالكود ليست مجرد مبانٍ قديمة، بل هي مدينة علمية متكاملة. تمتلك من المنشآت والقاعات والمختبرات والمزارع ما يكفي لاستيعاب وزارتين بكامل طواقمهما.
لكنها اليوم – وبكل أسف – أصبحت شبه خاوية.
أكثر من 95% من كوادرها البحثية أُحيلوا إلى التقاعد، ومنهم من رحل إلى جوار ربه. ولم يبقَ إلا عددٌ قليلٌ من الباحثين والمهندسين يحملون على عاتقهم مسؤولية مؤسسة كانت يوماً مدرسة للعلم ومنارة للمعرفة.
المؤلم ليس غياب الإمكانات. فالمباني قائمة، والمختبرات موجودة، والمزرعة البحثية ما زالت شاهدة على تاريخها.
وإنما المؤلم حقاً هو غياب الإنسان الذي يصنع البحث العلمي.
فلا قيمة للأجهزة إذا غاب الباحث، ولا قيمة للمختبر إذا خلا من العقول، ولا قيمة للمباني إذا أصبحت جدراناً صامتة لا يُسمع فيها إلا صدى الذكريات.
ومن أكثر ما أثار القلق في حديث مدير المحطة، إشارته إلى وجود من يعرقل سير عمل الهيئة والمحطة.
وإذا كان ذلك صحيحاً، فإن رسالتنا إلى كل من يضع العقبات أمام هذا الصرح العلمي هي: دعوا محطة الكود تعمل. دعوا الباحثين يؤدون رسالتهم.
لا تجعلوا الخلافات أو المصالح الضيقة تقف في وجه مؤسسة تخدم ملايين اليمنيين.
فإن تعطيل البحث الزراعي ليس ضرره على موظف أو إدارة، بل على وطن بأكمله ينتظر حلولاً لأزماته الزراعية والغذائية.

مطالبنا العاجلة:

1. نطالب وزارة الزراعة والري بمتابعة أي معوقات أو ممارسات تعرقل عمل المحطة، وتوفير الحماية الإدارية والقانونية اللازمة لتمكين الباحثين من أداء رسالتهم في بيئة مستقرة يسودها النظام والاحترام.
2. نجدد الدعوة لمعالي وزير الزراعة، للقيام بزيارة ميدانية عاجلة إلى محطة الكود، يرافقه ممثلو منظمة الأغذية والزراعة “الفاو” ومسؤولو الأمن الغذائي، وفي مقدمتهم، الدكتور خضر بلم عطروش، الذي يعرف المحطة عن قرب وعمل فيها، ويدرك حجم إمكاناتها وما تحتاج إليه من دعم. فالحلول لا تُصنع من خلف المكاتب، وإنما تُولد حين تلامس الأقدام أرض الواقع.
3. تنفيذ قرار وزير الزراعة الصادر عام 2021،بشأن نقل مقر الهيئة العامة للبحوث والإرشاد الزراعي إلى الكود. فمن غير المنطقي أن يكون المقر الرسمي في الكود، بينما يتركز الدوام والإدارة في مدينة أخرى. ولم نلحظ سوى لافتة معلقة باسم الهيئة!
إن وجود القيادة إلى جانب الباحثين وفي قلب المؤسسة هو الطريق الصحيح لبناء إدارة فاعلة قريبة من الميدان.
4. نأمل أن تستعيد منظمة الفاو دورها التاريخي في دعم محطة الكود، فقد كانت في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي شريكاً حقيقياً في نهضتها. واليوم، مع تصاعد تحديات الزراعة اليمنية، فإن إعادة توجيه الدعم نحو هذه المحطة هو استثمار في مستقبل اليمن، لا مجرد مشروع عابر.
إن إنقاذ محطة البحوث الزراعية بالكود ليس مطلباً لأبين وحدها، بل هو قضية وطنية تمس كل بيت يمني.
فمن أراد زراعة قوية، وأمناً غذائياً مستداماً، واقتصاداً أكثر صلابة، فليبدأ بإحياء البحث العلمي.
فالأوطان لا تنهض بالشعارات، وإنما تنهض بالعلم، وبالباحثين، وبالمؤسسات التي تصنع المستقبل.

م. عبدالقادر السميطي
باحث سابق في المحطة
قسم المحاصيل الحقلية
1977 – 1981م
دلتا أبين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى