العملية السياسية في الجنوب العربي: قراءة نقدية في متلازمة المنفذ الواحد.. من ثقافة الخيار الوحيد إلى هندسة البدائل

بقلم: د. فؤاد علي ناصر الحاج
ليست أزمة الجنوب العربي اليوم أزمة موارد أو قيادة أو تحالفات فحسب، بل هي -في جوهرها- أزمة عقل سياسي ظل لعقود طويلة أسير نمط محدد من التفكير. فالأمم لا تتعثر فقط عندما تخطئ في قراراتها، وإنما عندما تعجز عن رؤية أكثر من طريق واحد لاتخاذ القرار.
ولعل أخطر ما يمكن أن يصيب أي حركة تحرر أو مشروع وطني هو أن يتحول الإيمان بالقضية إلى إيمان بوجود خيار وحيد، وأن تتحول البدائل إلى محرمات فكرية، لا إلى موضوعات للنقاش والتقييم.
من هنا يمكن فهم كثير من التحولات التي شهدها الجنوب العربي منذ الاستقلال وحتى اليوم.
لقد تشكلت العقلية السياسية الجنوبية في بيئة ثورية استثنائية فرضتها ظروف التحرر الوطني والصراع الدولي أثناء الحرب الباردة. وفي مثل تلك البيئات تصبح الأولوية للحسم أكثر من التفكير، ولليقين أكثر من المراجعة، وللوحدة الداخلية أكثر من تعدد الرؤى. وكانت هذه الخصائص مفهومة في لحظتها التاريخية، لكنها تحولت مع مرور الزمن من أدوات مرحلية إلى ثقافة سياسية دائمة.
وأرى أن هذه الثقافة يمكن تسميتها “متلازمة المنفذ الواحد”؛ أي الاعتقاد بأن لكل أزمة مخرجًا واحدًا، وأن أي اقتراح آخر ليس مجرد رأي مختلف، بل تهديد للمشروع الوطني نفسه.
لقد كانت البيئة الدولية آنذاك تقوم على استقطاب عالمي حاد بين نموذجين رئيسيين:
النموذج الرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة والدول الغربية.
والنموذج الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفيتي، الذي مثل آنذاك حاضنة لحركات التحرر الوطني في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية.
وفي ظل هذه الثنائية وجد الجنوب العربي نفسه منجذبًا بصورة طبيعية نحو المعسكر الاشتراكي، بوصفه الأقرب إلى المزاج التحرري السائد آنذاك.
ولم يكن هذا الاختيار خطأً في ذاته، وإنما المشكلة أن هذا المسار تحول إلى الخيار الوحيد الممكن، بينما أُغلقت بقية المسارات السياسية والدبلوماسية والاستراتيجية، وأصبح مجرد التفكير فيها يُنظر إليه باعتباره نوعًا من التراجع أو الخيانة.
وفي المقابل، لم تستطع دول الجوار، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، أن تقدم رؤية استراتيجية تستوعب الدولة الجنوبية الجديدة، أو تبني معها علاقات قائمة على المصالح المتبادلة وحسن الجوار. فكان التوجس هو اللغة المشتركة بين الطرفين، وأصبحت السياسة تُدار بمنطق الخوف المتبادل أكثر من إدارتها بمنطق المصالح.
ومع مرور السنوات، لم يعد هذا النمط مجرد سياسة، بل تحول إلى ثقافة سياسية واجتماعية أعادت إنتاج نفسها داخل المؤسسات العسكرية والحزبية، ثم انتقلت إلى المجال الاجتماعي، حتى أصبحت جزءًا من طريقة التفكير العامة.
ومن هنا بدأت تظهر أخطر نتائج ثقافة المنفذ الواحد.
فعندما انهار الاتحاد السوفيتي مطلع تسعينيات القرن الماضي، انهار معه السند الدولي الذي اعتمدت عليه الدولة الجنوبية. وهنا كان من المفترض أن تبدأ عملية مراجعة استراتيجية شاملة تبحث عن بدائل متعددة تحفظ الدولة والهوية والمصالح الوطنية.
إلا أن ما حدث كان العكس.
فقد انتقلت العقلية نفسها إلى خيار جديد، هو مشروع الوحدة مع الجمهورية العربية اليمنية، باعتباره المنفذ الوحيد المتاح، دون أن تحظى البدائل الأخرى بالنقاش المؤسسي الكافي، أو بالدراسة الاستراتيجية العميقة.
وهنا لا تكمن المشكلة في قرار الوحدة وحده، بل في طريقة صناعة القرار التي تعاملت مع الوحدة بوصفها الحل الوحيد، لا أحد الحلول الممكنة.
وهذه هي السمة الأساسية لما أسميه ثقافة الخيار الواحد.
إن المجتمعات التي لا تنتج بدائل، تتحول مع الزمن إلى مجتمعات تعيش بين حدين متناقضين:
تفاؤل مفرط يرى بابًا واحدًا للخلاص.
وتشاؤم مطلق يرى جميع الأبواب مغلقة.
وفي الحالتين يغيب التفكير الاستراتيجي.
إن الدولة الحديثة لا تُبنى بالتفاؤل وحده، ولا بالتشاؤم، وإنما تُبنى بإدارة الاحتمالات، وصناعة السيناريوهات، وتعدد البدائل، وإخضاع كل خيار للتقييم المستمر.
واليوم، وبعد أكثر من نصف قرن من التجربة السياسية، يبدو الجنوب العربي بحاجة إلى مراجعة ثقافية قبل أن تكون مراجعة سياسية.
إن التحدي الحقيقي لا يتمثل في اختيار الحليف، بل في بناء عقل سياسي قادر على التفكير خارج ثنائية “إما هذا أو لا شيء”.
فالعالم لم يعد يعيش بمنطق الحرب الباردة، ولم تعد الدول الناجحة هي التي تملك شعارات أكثر، بل التي تملك خيارات أكثر.
ولذلك فإن الانتقال من العقلية الثورية الكلاسيكية إلى العقلية البراغماتية العصرية لم يعد ترفًا فكريًا، بل أصبح شرطًا من شروط البقاء السياسي.
فالبراغماتية ليست التخلي عن المبادئ، وإنما حسن إدارة المبادئ، وليست التنازل عن الأهداف، وإنما تنويع الوسائل المؤدية إليها.
وخلاصة القول، إن أخطر ما يمكن أن يواجه الجنوب العربي اليوم ليس نقص الإمكانات، وإنما استمرار ثقافة المنفذ الواحد؛ لأن الأمم التي ترى بابًا واحدًا قد تضيع إذا أُغلق ذلك الباب، أما الأمم التي تصنع الأبواب والنوافذ معًا، فهي القادرة على تحويل الأزمات إلى فرص، والتحديات إلى مشاريع للمستقبل.
