“كارثة الرسوم ” في المدارس الخاصة في عدن تحرم أبناء الفقراء من التعليم

كتب: أ. مروان أحمد قاسم
لم يعد التعليم في عدن حقاً يكفله الدستور، بل تحول الى سلعة تباع وتشترى في سوق مفتوح بلا رقابة .
ففي الوقت الذي تنهار فيه المدارس الحكومية وتغيب فيه الكتب والطباشير ، ارتفعت المدارس الخاصة بالتزايد لتفرض رسوماً ” كارثية ” طردت آلاف الطلاب الأذكياء وأبناء الأسر الفقيرة خارج أسوار الفصول الدراسية .
شهدت عدن خلال السنوات الأخيرة، طفرة غير مسبوقة في افتتاح المدارس الخاصة . ولكنها لم تكن طفرة تعليمية بقدر ما كانت استثمارية بحتة . حيث وصل رسوم الطالب الواحد يتجاوز واقع ٦٠٠ ألف ريال للعام الدراسي دون رسوم الكتب والزي الرسمي للمدرسة والمواصلات والأنشطة إذا حسبناها كاملة ستتجاوز المليون ريال، وإذا بها تفوق راتب موظف حكومي لسنة كاملة ، هذا للطالب الواحد فإذا كان عدد الأبناء اثنين أو اكثر فكيف يستطيع ولي الأمر ان يذهب بهم إلى المدارس التجارية .
النتيجة ؟ صفوف دراسية ممتلئة بأبناء التجار والمغتربين ( والمسؤولين الفاسدين) بينما يجلس المتفوق الذي نستطيع ان نعلق عليه امال المستقبل في البيت لان والده ” عامل يومية ” .
إن ما يحدث اليوم ليس مجرد ارتفاع أسعار، بل انها كارثة تهدد النسيج الاجتماعي لمدينة عدن،
كم من طبيب ومهندس ومعلم محتمل تم دفنه حياً لان أسرته لم تستطع دفع رسوم المدرسة الخاصة؟ نحن نخسر عقولنا قبل أن تبدأ.
فقد اصبح هناك ” تعليم للأغنياء ” و” تعليم للفقراء ” . الأول بمكيفات ومعامل ، والثاني بلا مقاعد ولا معلمين .هذا ينتج جيلين لا يلتقيان أبداً .
مع الوضع الكارثي الذي ينهي التعليم الحكومي، لم يعد أمام الأهالي خيار ، إما أن تدفع مالا تملك، أو أن تحكم على أبناءهم بالأمية .
الكارثة الاكبر ليست في جشع بعض المستثمرين، بل في غياب دور الجهات المعنية، وزارة التربية والتعليم ومكتب التربية بعدن يبدون عاجزين أمام هذا ” الكارتيل التعليمي ” لاتوجد لائحة موحدة للرسوم ، ولا آلية تفتيش، ولا حتى عقوبات رادعة لمن يخالف .
تركت المدارس الخاصة لتحدد ما تشاء ، وتركت الأسرة لمصيرها .
وبعض المدارس تتحجج بارتفاع معدلات الرسوم بحجة غلاء المعيشة وارتفاع الايجارات بالدولار
وارتفاع فواتير الكهرباء، هل يعقل ان نبرر المتاجرة بمستقبل أمة بفواتير الكهرباء ؟
إن استمرار هذا الوضع يعني أننا نبني مجتمعاً من نصفين: نصف متعلم ومقتدر ، ونصف جاهل ومحبط. والحلول لم ترفاً بل ضرورة وطنية ، بتدخل حكومي عاجل بإصدار لائحة رسوم ملزمة للمدارس الخاصة، وربطها بمستوى الخدمة المقدمة، مع تفعيل الرقابة والمحاسبة، وفي الوقت نفسه لايمكن مواجهة جشع الخاص إلا بإعادة الاعتبار للمدارس الحكومية، من خلال توفير معلمين ، كتب ، وصيانة ، التعليم الحكومي الجيد هو الضامن الوحيد للعدالة .
كما يجبّ إنشاء صندوق برعاية السلطة المحلية ورجال الأعمال لدعم اوئل الطلاب من الأسر الفقيرة للالتحاق بالمدارس وفق معايير واضحة. ويجب على أولياء الأمور تنظيم انفسهم ورفض الرسوم التعسفية. صوت الناس مجتمعاً أقوى من أي قرار.
التعليم هو العمود الفقري للدولة . وعندما يتحول إلى تجارة ، فإننا لانخسر سنة دراسية فقط، بل نخسر جيلاً كاملاً.
” كارثة الرسوم ” في مدارس عدن الخاصة ليست مشكلة أولياء أمور فقط. بل إنها قنبلة موقوتة ستنفجر في وجه الجميع بعد سنوات.
آن الأوان أن نعيد للتعليم هيبته وقداسته، قبل أن نفيق على مدينة بلا أطباء ولا مهندسين وبلا معلمين…
مدينة فيها كل شيء إلا العقل.
