مقالات

انزياح المواقف.. حين تتحرك المواقف مع حركة المصالح

كتب: د. فؤاد علي ناصر الحاج

 

حين نتحدث عن «انزياح المواقف» فإننا نستعير مفهوم الانزياح من الفيزياء، حيث يعني انتقال الجسم من موضع إلى موضع آخر بالنسبة إلى نقطة مرجعية، تحت تأثير قوى تدفعه إلى تغيير موقعه.

 

وفي السياسة يمكن أن يصبح للمفهوم دلالة واضحة: انزياح المواقف هو انتقال الموقف من موضع سياسي إلى آخر كلما تغيرت المصالح وموازين القوة والضغوط المؤثرة فيه.

 

فالمسألة هنا ليست بحثًا في النيات، ولا محاولة لقراءة ما في داخل الأشخاص، وإنما قراءة لحركة التموضع السياسي عبر الزمن.

 

ومن هنا يمكن فهم حالة أولئك الذين كانت مواقفهم في كل تغير وتبدل تتغير وفقًا للمصلحة تحت تأثير قوى تدفعه إلى تغيير موقعه ومركز القرار وكانوا في موقع سياسي، ثم انزاحت مواقفهم مع بروز متغيرات جديدة وتنامي حضور وتأثير متبدل، ثم عادت للانزياح مرة أخرى مع تغير موازين القوة والضغوط.

 

هؤلاء لا يمكن أن نضعهم جميعًا في خانة أصحاب المواقف الثابتة؛ لأن الموقف عندهم يبدو مرتبطًا بحركة المصلحة أكثر من ارتباطه بثبات التموضع السياسي والنضالي والثوري. ولذلك فإن التعبير الأدق عنهم هو أصحاب المواقف المصلحية، أو بائعي المواقف والضمير، بحسب الحالة، ممن تتحرك مواقفهم كلما تحركت مصالحهم.

 

وهنا يصبح الانتقال متكررًا، ومتزامنًا بصورة لافتة مع تغير موازين القوة والمصلحة، وفي اتجاه القوة الصاعدة في كل مرحلة، فإننا نكون أمام ظاهرة تستحق أن تسمى: #انزياح_المواقف.

 

ولعل بعض مسارات الشخصيات الجنوبية خلال العقود الماضية تقدم نماذج صارخة لهذه الظاهرة.

 

فا سين وصاد من الناس، على سبيل المثال، يمكن قراءة مسارهم السياسي ــ وفق هذا المنظور ــ بوصفه سلسلة من الانتقالات في التموضع. فمنذ نشوء حركة «#حتم» في نهاية التسعينيات، مرورًا بمراحل كثيرة تبدلت وانزاحت المواقف وفقًا للمصلحة وكان أنزياح وتغير المواقف يخضع لقوة الانزياح.

 

وهنا فنحن كمحللين ومتابعين سياسيين وناشطين وقيادات في هذه المرحلة عمومًا قادرين على قراءة تلك المواقف وتوضيحها وإبرازها للناس، الجنوب والقضية وإستعادة الدولة الجنوبية وتقرير المصير والحرير هي معيار الحكم على القائد من أن يكون قائدًا أو قوادًا.

 

هناك شخصيات كانت تحركهم المصلحة وبقوا مثل النجوم التي تستمد نورها من وهج الثورة والنضال، ولكن كانوا بإنتهازيتهم يستغلوا إندفاع الشعب، وهناك محطات بارزة في مسار الثورة الجنوبية مع بروز الحركات النضالية والقوى السياسية ومنها بروز حركة حتم بقيادة الرئيس عيدروس الزُبيدي – Aidroos Alzubidi في نهاية 1996والتي شكلت عودة الروح إلى الجسد المنهك، وبروز اللجنة الشعبية في 1999 التي تعد منعطفًا مهمًا في مسار الثورة السلمية الجنوبية وداعمًا لحركة حتم تقرير مصير الجنوب العربي أو الوجه الآخر للعمل الثوري النضالي السلمي، ونشوء الحراك الجنوبي السلمي في 2007 والذي شكل الزخم والقوة الدافعة لاستمرار مقارعة الاحتلال وغيرها من المحطات حتى بروز المجلس الإنتقالي الجنوبي العربي كوريث لهذه النضالات ومعبر عنها بشكل أكثر تنظيمًا ومؤسسية، ولاشك أن بروز شخصية وكاريزما القائد الرئيس عيدروس الزُبيدي قد شكل صمام أمان الزعامة وقيادة المراحل بحكمة.

 

ويمكن النظر إلى هذه المحطات باعتبارها مواضع سياسية متعاقبة تحركت فيها بعض القيادات والأشخاص المتأثرين بإنزياح المواقف والذين غيروا مواقفهم مع تغير الظروف وموازين القوة، 360%

 

وهنا تحديدًا تظهر قيمة المصطلح.

ففي الفيزياء لا يكفي أن نقول إن الجسم تحرك؛ بل نسأل: من أين تحرك؟ وإلى أين انتقل؟ وما القوة التي دفعت إلى هذا الانتقال؟

وهذا هو السؤال السياسي نفسه:

أين كان موقفه؟ وإلى أين انزاح؟ وما الذي تغيّر بين الموضعين؟

 

وعندما تتكرر الحركة السياسية بالطريقة نفسها، يصبح من المشروع أن ندرس العلاقة بين انزياح الموقف وانزياح المصلحة.

 

وهنا نصل إلى الفارق بين رجلٍ يتغير موقعه السياسي ، ورجلٍ يصبح موقعه السياسي تابعًا لموقع المصلحة؛ فالأول قد يختلف معك ويبقى ثابتًا على منطقه، أما الثاني فإنك قد تراه في كل محطة يبحث عن موقع جديد يتناسب مع القوة الجديدة.

 

ولهذا فإن أحداث الأشهر الماضية، وما رافقها من ضغوط سعودية على المجلس الانتقالي الجنوبي والقضية الجنوبية، لم تُنتج فقط مواقف جديدة، بل كشفت أيضًا مقدار الانزياح الكامن في مواقف بعض الشخصيات.

 

لقد تحركت بعض المواقف، وسقطت الأقنعة، وانكشفت المسافات الحقيقية بين من كان وجوده السياسي مرتبطًا بالقضية، ومن كان وجوده مرتبطًا بموقع القوة والمصلحة.

 

وهنا يصبح غياب الرئيس القائد عيدروس الزُبيدي عن المشهد في بعض مراحل الضغط اختبارًا حقيقيًا للمواقف؛ إذ لم يعد بالإمكان الاحتماء بحضور القيادة أو بقوة اللحظة، وأصبح كل طرف مطالبًا بأن يكشف موضعه الحقيقي على خارطة القضية الجنوبية.

 

عندها فقط تسقط أوراق الخريف، وتبقى الأشجار الوارفة؛ تلك التي لم تكن القضية عندها محطة عابرة، ولا وسيلة للنفوذ، ولا مقعدًا ينتظر صاحبه حين تميل موازين القوة.

 

فالمواقف الحقيقية لا تُقاس فقط بما تقوله في زمن القوة، وإنما بما تفعله عندما تصبح المصلحة في الاتجاه المعاكس.

ومن هنا، فإن «انزياح المواقف» ليس مجرد تعبير بلاغي، بل يمكن أن يصبح أداة لقراءة السلوك السياسي: نرصد الموضع الأول، ثم الموضع الثاني، ثم نبحث عن القوى التي أحدثت الانتقال.

وبقدر المسافة بين الموقفين، وبقدر ارتباط الانتقال بتغير المصالح وموازين القوة، يمكن أن نقرأ مقدار الانزياح.

انزياح المواقف… حين تتحرك المواقف مع حركة المصالح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى