مقالات

تحليل: عمرو البيض.. بين تألق خطاب القوى الصاعدة وتراجع خطاب القوى السائدة

سمانيوز /تحليل: د. يحيى شايف ناشر الجوبعي

 

 

أ- المقدمة :

 

إن ما يتعرض له القيادي الميداني والدبلوماسي عمرو البيض بفعل ما يحققه ورفاقه من نجاحات على الصعيد الدبلوماسي الخارجي ليس مجرد مناوشات عابرة ، بل حرب هجينة صممتها قوى الوصاية السعودية وأذرعها من قوى الاحتلال اليمني الإرهابية (الإخوانية منها والحوثية والعابرة للحدود) لإجهاض الطرح الخاص باستعادة الحق السيادي للجنوب في لحظات حاسمة تتشكل فيها الخريطة السياسية للنظام العالمي الجديد .

إن العودة المظفرة لمفهوم السيادة الوطنية الجنوبية والتعامل معها في أروقة الأمم المتحدة تمثل مدخلا عقلانيا ووحيدا لضمان أمن الملاحة البحرية وحماية الممرات المائية الحيوية التي تحولت تحت وطأة الشراكات الهشة مع قوى الاحتلال والوصاية إلى منطقة استنزاف وقرصنة تهدد الاقتصاد العالمي وهذا ما بدأ يتفهمه العالم .

 

ب- تحليل الموضوع

 

تهدف هذه القراءة للوصول إلى المعاني والدلالات الخفية لمعرفة حقيقة هذا الموضوع من خلال تحليل النقاط المحورية الآتية :

 

أولا : العقلانية السياسية واختراق الجدار الغربي ٠

 

إن النجاح اللافت للدبلوماسية الجنوبية والتي تجسدت في الظهور المكثف للسيد عمرو البيض ورفاقه على أرقى الشاشات العالمية شكل صدمة لمعسكرين متخادمين:

الأول : معسكر قوى الوصاية السعودية التي اعتادت على احتكار الموقف السياسي والتحكم بالموجات الصوتية للشرعية اليمنية المتهالكة.

الثاني : معسكر قوى الاحتلال اليمني الإرهابية:(الحوثية والأجندة الإخوانية العابرة للحدود) ؛ إذ أربك الخطاب الصاعد للأخ المناضل عمرو البيض ورفاقه الخطاب السائد لقوى الوصاية والاحتلال ؛ لأنه خاطب مراكز صنع القرار في الغرب بلغة المصالح الحيوية والأرقام الصلبة بعيدا عن أوهام الوصفات الجاهزة التي تروج لها قوى الوصاية والاحتلال النفعية حول قدرة يمن مأزوم ومحتل على حماية البحر الأحمر وباب المندب.

 

ثانيا : المعادلة الجيوسياسية وحتمية الدولة الجنوبية لأمن الملاحة الدولية٠

 

تقاس شرعية أي نظام في قدرته على تحقيق الأمن الإقليمي والعالمي من خلال تأمينه للممرات البحرية العامة وهي القاعدة التي انطلق منها الخطاب الدبلوماسي لعمرو البيض ورفاقه المدعوم بالحقائق التالية :

١- إن الاستقرار التاريخي لدولة الجنوب قبل عام ١٩٩٠م أدى إلى استقرار الأمن والسلم الدوليين في في واحد من أهم المواقع الاستراتيجية في العالم وذلك بفعل الانضباط العسكري والجيوسياسي الذي تميزت به الدولة الجنوبية مما مكنها من الحماية الصارمة للملاحة الدولية في مضيق باب المندب وخليج عدن دون ابتزاز أو قرصنة.

٢-إن تخلي قوى الاحتلال اليمني الإرهابية عن مشروع الوحدة باحتلالهم للجنوب عام ١٩٩٤م

حول الجنوب إلى بؤرة توتر دائم ومجالا حيويا للجماعات الإرهابية مما أدى إلى ظهور القرصنة وتحول الساحل الغربي والشرقي إلى ملاذات للمليشيات العابرة للحدود وبانهيار الدولة الجنوبية أنهار الأمن والسلم الدوليين في هذه المنطقة الاستراتيجية الهامة.

٣- إن عودة القدرات الذاتية الجنوبية بعد تشكيل القوات المسلحة من قبل المجلس الانتقالي الجنوبي بقيادة الرئيس القائد عيدروس الزبيدي رئيس المجلس والقائد الأعلى للقوات المسلحة الجنوبية في العام ٢٠١٧ جعل من هذه القوة الطرف الوحيد الميداني الموثوق الذي استطاع دحر المشروع الإيراني والحوثي والقوى العابرة للحدود من خلال إلحاق الهزيمة بهم جميعا وإعادة الأمن للمخاء وباب المندب والمكلا والمهرة والساحل الغربي وكل الجنوب العربي .

 

ثالثا : التخادم الثلاثي وسيكولوجيا الحملات الإلكترونية ٠

 

إن الهجوم الرقمي المكثف والذباب الإلكتروني المستهدف لعمرو البيض على منصة (إكس) والشبكات الاجتماعية يخضع لما يعرف في الدراسات الإعلامية باغتيال الشخصية ويعود هذا المستنقع الرقمي إلى توافق مصالح القوى الثلاثية لإعادة احتلال الجنوب:

١-قوى الوصاية السعودية الساعية لإبقاء الجنوب تحت حالة التبعية السياسية والسيطرة على قراره المستقل للتغطية على فشلها الإستراتيجي وسوء إدارتها للجبهات الميدانية.

٢- قوى جماعة الحوثي الإيرانية الهادفة إلى استكمال التمدد في باب المندب وتحويل المنطقة إلى أداة لابتزاز العالم ولإضعاف الطرح الجنوبي الذي يطالب بتمكين القوات المسلحة الجنوبية كشريك أمني دولي.

٣- قوى التنظيم الإخواني العابر للحدود (القاعدة وداعش) الهادف إلى الحفاظ على مكاسب نظام صنعاء واستهداف مشروع الاستقلال الجنوبي وذلك من خلال قيامه بتشويه الرموز الوطنية الجنوبية والتستر على تسليم الجبهات والمناطق الشمالية للحوثي.

وعلى هذا الأساس تجلت الازدواجية الفاضحة لهذه القوى الثلاثية المتخادمة في عقيدتها السياسية والإعلامية التي ترى بأن (تحرير الجنوب العربي واستقلاله حراما بينما ترى بأن احتلال الشمال اليمني والتخاذل عن تحريره حلالا.) ولهذا لا غرابة إذا كثفت عدوانها الإعلامي والعسكري على الجنوب وسهلت بالمقابل مهمة الحوثي بالانسحابات الميدانية من الجبهات بهدف تسليمها للمشاريع اللاعربية .

وهنا يتجلى خطر هذا التخادم الثلاثي ليس على الجنوب فحسب وإنما على الجنوب والخليج والمنطقة والإقليم والعالم .

 

رابعا : البناء الدفاعي وإرساء الشرعية الجنوبية .

 

إن الأصوات المخلصة التي انطلقت عبر حملات التضامن الرقمي والإعلامي للذود عن القيادي عمرو البيض لم تكن حراكا عاطفيا فحسب ، بل كانت تأكيدا لمشروعية الرؤية الوطنية الجنوبية على النحو الآتي :

١-إن اتباع الشفافية العسكرية والسياسية من خلال المكاشفة التي قدمها عمرو البيض حول سوء الإدارة وسحب الدعم غير المنسق كان بمثابة أسلوب قيادي شجاع يهدف لتصحيح المسار ومنع انهيار بؤر ارتكازية مثل جزيرة ميون والساحل الغربي.

٢-إن الربط بين السيادة الجنوبية والأمن الأقليمي والعالمي من خلال إقناع العالم بأن مصالحهم مرهونة باستقرار الملاحة البحرية في البحر الأحمر وخليج عدن ؛ وأن هذا الاستقرار لا يمكن أن يتحقق إلا باستعادة الدولة الجنوبية المستقلة لتحمي هذه الممر المائي كدولة ذات سيادة وليس بعصابات أو شرعيات كرتونية مخترقة وبهذا الطرح المنطقي والموضوعي أكد عمرو البيض ورفاقه على أن صمود الخطاب الجنوبي الصاعد في وجه قوى الترهيب السائدة جعلها تعيش حالة من التخبط في خطابها السياسي والدبلوماسي ووصولها إلى قناعة بأن الدبلوماسية الجنوبية أصبحت تمثل الرقم الأصعب الذي لا يمكن تجاوزه أو تهميشه في المعادلات الإقليمية والدولية القادمة.

 

ج-الخلاصة :

 

إن هذه المعركة الإعلامية السياسية تظهر جليا بأن مشروع استقلال الجنوب تحت راية المجلس الانتقالي الجنوبي بقيادة الرئيس القائد عيدروس الزبيدي لم يعد مجرد مطلب داخلي ، بل أصبح استحقاق جيوسياسي دولي لحماية الاستقرار الإقليمي والعالمي في أحد أهم المضايق الاستراتيجية في العالم .

 

د. يحيى شايف ناشر الجوبعي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى