لماذا يا أبناء القرن أصبح الأجرُ اليومي أهم من الاستعداد للمستقبل؟

بقلم: أ. د. مسعود عمشوش
انتهت ضجة نتائج الثانوية العامة، واحتفل المتفوقون، وعلّقت الأسر صور أبنائها وبناتها على صفحات التواصل الاجتماعي، وبدأت رحلة البحث عن الجامعة والتخصص والمستقبل.
لكن، وسط هذه الفرحة، هناك سؤال لا ينبغي أن يمر مرور الكرام:
أين أبناء القرن؟ أين أبناء العمال والمزارعين من قوائم المتفوقين في سيئون؟
ليس المقصود هنا القول إن أبناء العمال والمزارعين أقل ذكاءً أو قدرة على التعلم، فهذا كلام لا أساس له. لكن المتابع للمشهد التعليمي في سيئون يستطيع أن يلاحظ أن الحصول على المعدلات العالية جداً التي تفتح أبواب كليات النخبة أصبح أقل حضوراً بين أبناء الأسر العاملة والزراعية، مقارنة بأبناء التجار والمغتربين وكبار الموظفين.
وهذه ليست قضية تفوق طالب على آخر، بل قضية تكافؤ فرص.
فالطالب لا يدخل امتحان الثانوية وحده؛ يدخل ومعه بيته، ووقته، وقدرة أسرته على توفير الكتب والدروس والمراجعة، ودرجة اهتمام الأب والأم، وحتى عدد الساعات التي قضاها في الحقل أو العمل خلال العام الدراسي.
كثير من آباء وأمهات العمال والمزارعين لم تتح لهم فرصة التعليم الكافي. بعضهم لم يتجاوز التعليم الأساسي، ولذلك لا يستطيع متابعة تفاصيل ما يتعلمه أبناؤه أو مساعدتهم في حل مسائل الرياضيات والعلوم واللغات.
لكن المشكلة ليست في أن يكون الأب أُمياً أو محدود التعليم؛ فالابن لا يحتاج دائماً إلى أب يحل له المسألة، وإنما يحتاج إلى أب يقول له: اجلس، ادرس، ماذا أنجزت اليوم؟ ماذا ستراجع غداً؟
إنها المتابعة قبل أن تكون المعرفة.
غير أن الأب العامل يعود من عمله منهكاً، والمزارع يعود من الحقل وقد استنفد يومه، والأم أيضاً غارقة في أعباء المنزل. وهكذا قد يمر اليوم الدراسي من دون أن يسأل أحد الابن عما أنجزه.
وفي موسم الامتحانات، تصبح المشكلة أكثر وضوحاً. فبدلاً من أن يجد الطالب البيت وقد تحول إلى غرفة دراسة ومراجعة، قد يجد نفسه مطالباً بمساعدة والده في العمل أو المزرعة، أو منشغلاً بواجبات اجتماعية لا تنتهي.
والحقل، في بعض البيوت، يأخذ الطالب من الكتاب قبل أن يأخذ المحصول من الأرض.
أبناء المزارعين يعرفون هذه المعادلة جيداً: مدرسة صباحاً، غداء سريع، ثم إلى المزرعة مع الأب. وقد تمتد ساعات العمل حتى المساء. وبعد العودة يكون الطالب مرهقاً، فكيف سيذاكر؟ ومتى سيحل واجباته؟ ومتى يراجع للامتحان؟
أما أبناء العمال، فهناك مشكلة أخرى: أجر اليوم فاليوم يشجع بعض الآباء أبناءهم على العمل بالأجر خلال الإجازات والعطل، وهذا مفهوم في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة. لكن الخطر يبدأ عندما يصبح العمل أكثر جاذبية من الدراسة فالطالب الذي يحصل في نهاية اليوم على مبلغ نقدي قد يسأل نفسه: لماذا أدرس سنوات طويلة وأنا لا أعرف ماذا سأحصل عليه في نهايتها، بينما أستطيع أن أكسب مالاً الآن؟
وهنا تدخل إلى البيت فكرة أخطر “الدراسة لم تعد تنفع يرى الأب خريجاً يحمل شهادة ويعمل في مطعم، ويرى آخر يجلس بلا وظيفة، ويرى ثالثاً يعمل في مزرعة، فيقول لابنه: ماذا ستستفيد من الدراسة؟
وهذه واحدة من أخطر الأفكار التي يمكن أن نخسر بها جيلاً كاملاً نعم، الشهادة وحدها لم تعد كافية، ونعم، هناك خريجون بلا وظائف. لكن هل الحل هو ترك المدرسة؟
إذا كان هناك خريج عاطل، فهذا لا يعني أن الجاهل أكثر حظاً منه. وإذا كانت سوق العمل لا تستوعب جميع الخريجين، فهذا يعني أننا بحاجة إلى تعليم أفضل ومهارات أكثر، لا إلى أبناء أقل تعليماً.
والحقيقة التي ينبغي ألا تغيب عن الآباء هي أن التعليم قد لا يضمن وظيفة، لكنه يوسع خيارات الإنسان ويمنحه فرصة أفضل للمنافسة.
أما ترك الدراسة من أجل أجر يومي، فقد يحل مشكلة اليوم، لكنه قد يصنع مشكلة العمر.
لهذا، فإنني أقرع جرس الإنذار أمام أسر العمال والمزارعين في سيئون:
لا تجعلوا الفقر سبباً لحرمان أبنائكم من التعليم.
لا نطلب من الأب أن يشتري لابنه ما لا يستطيع شراءه، ولا نطلب من الأم أن تشرح له درساً لا تعرفه. المطلوب أبسط من ذلك بكثير: اهتمام، ومتابعة، وتنظيم للوقت، وتشجيع، وحماية وقت الدراسة من العمل الذي يستنزفه.
إذا لم تستطع الأسرة دفع تكاليف الدروس الخاصة، فلتعوض ذلك بمتابعة الابن. وإذا لم تستطع شراء كل الكتب والمذكرات، فلتبحث مع المدرسة عن البدائل. وإذا احتاجت إلى مساعدة الابن في المزرعة، فلتكن المساعدة في حدود لا تقتل مستقبله الدراسي.
وعلى المدارس أيضاً مسؤولية. فالطالب الذي يأتي من بيت فقير لا ينبغي أن يُترك وحيداً أمام منافسة طالب يحصل على دروس وكتب ومراجعات متعددة. وهنا يمكن للمدرسة أن توفر برامج مراجعة مجانية أو منخفضة التكلفة، وأن تكتشف مبكراً الطلاب الذين يحتاجون إلى دعم إضافي.
أما الآباء والأمهات، فعليهم أن يتذكروا شيئاً مهماً:
أنتم لا تملكون أن تمنحوا أبناءكم المال الذي يملكه التاجر، ولا فرص العمل التي قد يملكها المغترب، لكنكم تملكون أن تمنحوهم أهم شيء: فرصة التعليم.
فلا تسلبوهم هذه الفرصة بأيديكم.
أيها الأب العامل، أيها الأب المزارع، لا تنظر إلى الأجر الذي سيحصل عليه ابنك في نهاية يوم العمل فقط. انظر إلى السنوات القادمة.
قد يكون ابنك اليوم يبيع وقته مقابل أجر يومي، لكنك لا تعرف ماذا يمكن أن يصبح بعد عشر سنوات إذا أعطيته فرصة حقيقية للتعلم.
لا تجعلوا أجر اليوم أغلى من مستقبل الابن.
فالمزرعة ستبقى، والعمل سيبقى، والحاجة إلى اليد العاملة ستبقى، أما سنوات الدراسة التي تضيع من عمر الطالب فلن تعود.
والسؤال الذي ينبغي أن نطرحه بعد كل موسم امتحانات ليس فقط: من هم الأوائل؟
بل أيضاً:
لماذا لا نرى أبناء الفقراء بينهم بالقدر الذي نتمناه؟
هذا السؤال يستحق أن يتحول من حديث عابر في المجالس إلى قضية تربوية واجتماعية تحتاج إلى دراسة ميدانية جادة في سيئون؛ وتحديدا في حي القرن لأن مستقبل أبناء العمال والمزارعين لا ينبغي أن تحدده مهنة آبائهم ولا مستوى دخل أسرهم.