هل آن الأوان لرؤية شاملة تحل جذور مشاكل منطقتنا؟

بقلم: نصر هرهرة
لم يكن بإمكان الحوثي بناء قدراته العسكرية واللوجستية لولا خطوط الإمداد التي حظي بها بتواطؤ وتسهيل من المنطقة العسكرية الأولى (المهرة – حضرموت – مأرب – صنعاء)؛ وهي الإمدادات التي نجح المجلس الانتقالي الجنوبي في إيقافها بحلول ديسمبر 2025م. كما لم يكن للحوثي أن يفكر مجرد التفكير في الوصول إلى مضيق باب المندب، لولا استهداف الحليف المملكة العربية السعودية للقوات المسلحة الجنوبية في وادي وصحراء حضرموت ( لتعود خطوط الإمداد الحوثي في هذا الشريط) وكذا ضرب قوات المجلس الانتقالي في الضالع في يناير 2026م، الأمر الذي أدى لإضعاف قوات المجلس الانتقالي الجنوبي العربي كما أن إخراج دولة الإمارات العربية المتحدة من المشهد اليمني هو سبب اخر .
الاأن المجريات الميدانية فتحت شهية الحوثيين، وطورت من أجندات داعميهم الإقليميين، لتتحول الأهداف إلى محاولة السيطرة على الممرات المائية الدولية، والتحكم بالموقع الاستراتيجي للجنوب العربي، والاستيلاء على مصادر الطاقة وثرواتها لتطوير مواردهم الخاصة. وبالفعل، استمر هذا التمدد والتوسع حتى تمكنوا من الوصول إلى مضيق باب المندب وإحكام السيطرة عليه، مهددين الملاحة الدولية ومحولين المنطقة إلى ساحة صراع جديدة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية من جهة أخرى.
لكن هذه الأطماع المحمومة في أرض الجنوب، وموقعه الاستراتيجي وثرواته، استفزت شعب الجنوب العربي وقيادته السياسية المتمثلة في المجلس الانتقالي الجنوبي —حامل قضيته وحامي إرادته— وقواته المسلحة الباسلة ورجال القبائل الجنوبية، وفي مقدمتهم قبائل الصبيحة الأبية. فقد هب الجميع للدفاع عن أرضهم وسيادتهم وثرواتهم، عاقدين العزم على استعادة حقوقهم الكاملة، حتى تحقق لهم النصر المؤزر في هذا اليوم، التاسع من أكتوبر 2026م، وهم يستقبلون الذكرى الثالثة والستين لثورة 14 أكتوبر المجيدة.
لقد تحقق هذا النصر بالعقيدة العسكرية الجنوبية وتحت الراية الجنوبية وبفضل تضحيات جسيمة قدمها أبطال الجنوب العربي، في مقابل خسائر فادحة في صفوف المعتدين؛ نتيحة للسياسات الإقليمية والدولية الخاطئة التي تُدار بها المنطقة، والتقديرات غير المحسوبة من قِبل الحوثيين.
وأمام هذه النتائج والمعطيات الجديدة، يتساءل المرء: هل ستدفع هذه التحولات المجتمعين الدولي والإقليمي —بالتعاون مع الأطراف المحلية الفاعلة على الأرض— إلى صياغة رؤية جادة أو خارطة طريق لمعالجة الوضع في المنطقة معالجة شاملة؟ وفي مقدمة ذلك قضية شعب الجنوب التي تلخص فشل مشروع وحدة 22 مايو 1990م.
إن حل هذه القضية هو المفتاح الحقيقي لإنهاء أزمات المنطقة؛ فقيام دولة جنوبية مستقرة على حدود ما قبل 22 مايو 1990م، من شأنه أن يحمي شعب الجنوب وشعب الشمال على حد سواء، ويؤمّن الموقع الجيواستراتيجي وثرواته، ويضمن سلاسة تدفق إمدادات الطاقة إلى العالم، ليعيد التوازن الموضوعي للإقليم. أم أن العقل المحلي والإقليمي والدولي —لا سيما القوى الفاعلة منه— ما زال يرى في استمرار المنطقة كبؤرة توتر وصراع دائم خيارًا مناسبًا لتصفية الحسابات ومحاربة الخصوم؟
