احتجاجات في مدن أوروبا وانكفاء في العواصم العربية

بقلم: أ. د. مسعود عمشوش
بينما تتردد أصداء الاحتجاجات في شوارع المدن الأوروبية، من باريس إلى ميلانو وبروكسل، يبدو الشارع العربي وكأنه اختار الانكفاء، تاركًا الغضب يتراكم خلف الأبواب، والشكاوى تتزاحم أمام الشاشات، فيما تتفاقم أزمات الغلاء والبطالة وتدهور الخدمات.
المفارقة أن الأوروبيين يخرجون إلى الشوارع للاحتجاج على سياسات حكوماتهم، بينما يكتفي كثير من العرب بمتابعة المظاهرات والتعليق عليها، ثم العودة إلى أعباء الحياة اليومية. ليس لأنهم أقل غضبًا، بل لأن المسافة بين الشعور بالظلم والقدرة على الاحتجاج أصبحت أكثر اتساعًا.
أين ذهب الربيع العربي؟ ذلك الذي ملأ الساحات قبل سنوات، ورفع شعارات الكرامة والحرية والتغيير، وأقنع الملايين بأن الشعوب قادرة على كسر جدار الخوف. لقد أصبح في كثير من العواصم مجرد ذكرى تختلط فيها صور الميادين بأحلام لم تكتمل، وتجارب انتهت إلى الحروب والانقسامات أو عودة أشكال من الاستبداد.
لقد انقلب الربيع العربي إلى شتاء طويل؛ شتاء يعيشه الناس داخل البيوت وأمام الشاشات، يتابعون احتجاجات الآخرين، بينما تتراجع ثقتهم بقدرتهم على تغيير واقعهم.
ولا يعني هذا أن العرب أقل استياءً من الأوروبيين؛ فالأزمات المعيشية في بلدان عربية كثيرة أشد قسوة. لكن الغضب وحده لا يصنع حركة احتجاجية؛ إذ يحتاج إلى تنظيم، وثقة بإمكان التغيير، ومساحة آمنة للتعبير. كما أن التجارب الدامية التي أعقبت بعض انتفاضات الربيع العربي جعلت قطاعات من الناس تخشى أن تكون كلفة التغيير أكبر من قدرتها على الاحتمال.
ومع ذلك، فإن هدوء الشوارع لا يعني رضا المجتمعات، مثلما لا تعني المظاهرات الأوروبية أن المحتجين يحققون جميع مطالبهم. الفارق أن الاحتجاج السلمي ما يزال في دول أوروبية عديدة وسيلة للضغط والمساءلة، بينما تتحول الشكوى في مجتمعات عربية كثيرة إلى غضب رقمي لا يتجاوز حدود المنشورات والتعليقات.
وهنا تكمن المفارقة: أصبحنا نتابع الثورات أكثر مما نصنع التغيير، ونحلل المظاهرات أكثر مما نفكر في أسباب غيابها عن شوارعنا. تحولت انتفاضات الأمس إلى صور في الأرشيف، فيما بقيت أسبابها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية حاضرة بأشكال مختلفة..
لقد أصبح الربيع العربي ذكرى، لكن أسبابه لم تختفِ. والسؤال الذي يفرض نفسه: هل انكفأ العرب واستسلموا لقدرهم أم أنهم ينتظرون فرصة يستعيدون فيها الثقة بأن أصواتهم قادرة على تغيير الواقع؟
