من يعرقل نقل الاتصالات إلى عدن.. الحوثيون أم لوبي الفساد؟ وما مدى موضوعية ما طرحه محمد المحيميد؟

بقلم: صالح الفضلي
لم تعد قضية نقل قطاع الاتصالات من صنعاء إلى عدن مجرد ملف إداري متعثر، أو خلاف بين مسؤولين حول إدارة مؤسسة حكومية، بل أصبحت واحدة من أكثر القضايا ارتباطاً بالأمن القومي والاقتصاد والسيادة الوطنية. فالاتصالات ليست مجرد خدمة هاتف وإنترنت، وإنما منظومة تتحكم في حركة المعلومات والبيانات والأموال، ويمكن توظيفها في التجسس والمراقبة وإدارة العمليات العسكرية.
ولعل الحلقة التي بثها برنامج (اليمن بودكاست) في 3 نوفمبر 2026، واستضاف فيها المهندس محمد المحيميد تحت عنوان (من يتحكم بالاتصالات في اليمن؟ وكيف يستفيد منها الحوثيون؟)، قد أعادت فتح هذا الملف بصورة غير مسبوقة، بعدما تضمنت اتهامات خطيرة لشخصيات ومسؤولين في مؤسسات الاتصالات التابعة للحكومة الشرعية، وتناولت ملفات عدن نت وسبأفون وشبكات الألياف الضوئية والاتصالات العسكرية، فضلاً عن صفقات ومصالح تجارية قيل إنها أسهمت في تعطيل عملية نقل القطاع.
وقبل تقديم محتوى البودكاست نقدم أولا المهندس محمد المحيميد والتأكد من أنه خبير يريد أن يكشف الاختلالات وليس خصما سياسيا. ومعرفة مدى موضوعيته في تناول هذا الملف.
فالمحيميد ليس اسماً جديداً في النقاشات المتعلقة بالاتصالات اليمنية. فمنذ عام 2020 ظهر في وسائل إعلام مختلفة بوصفه خبيراً في القطاع، وتحدث عن استفادة الحوثيين من إيرادات الاتصالات، وعن الصراعات داخل مؤسساتهم، كما اتهم الحكومة الشرعية بالتقصير في تحرير القطاع.
وفي سبتمبر 2020 نشرت صحيفة (الوطن) السعودية تصريحات مطولة للمحيميد الذي يقيم هناك حول سيطرة الحوثيين على الاتصالات، وضرورة نقل المؤسسات والشركات إلى المناطق المحررة.
كما نشرت وسائل إعلام يمنية وعربية مقابلات وتصريحات أخرى له تناولت الصراع على موارد الاتصالات داخل مناطق الحوثيين.
ومسار المحيميد الإعلامي لم يكن خالياً من الجدل. ففي 23 نوفمبر 2021 أصدرت وزارة الاتصالات في عدن بياناً نفت فيه أن يكون المحيميد يحمل أي صفة رسمية في الوزارة، واتهمته بانتحال صفة وكيل وزارة الاتصالات، وأعلنت أنها ستتخذ إجراءات قانونية بحقه.
وهذا موقف رسمي صادر عن الوزارة آنذاك، وليس حكماً قضائياً نهائياً يثبت صحة الاتهام أو ينفيه. ومع ذلك، فإنه يمثل جزءاً مهماً من خلفية العلاقة المتوترة بين المحيميد والوزارة.
كما تعرض المحيميد في عام 2020 لانتقادات سياسية وإعلامية اتهمته بأن مواقفه من التحالف والحكومة الشرعية تخدم الحوثيين بصورة غير مباشرة. وفي المقابل، كان هو يقدم نفسه باعتباره منتقداً للحوثيين وللحكومة على حد سواء.
ومن هنا لا ينبغي أن نخلط بين صحة المعلومة وموقف صاحبها السياسي.
فقد يقدم شخص مختلف معه سياسياً معلومات صحيحة وموثقة، وقد يقدم شخص قريب من توجهاتنا اتهامات غير دقيقة.
ومن الصعب إصدار حكم نهائي على صحة جميع اتهاماته أو دوافعه.
لكن المؤكد أن وجود خلافات سابقة بينه وبين وزارة الاتصالات، أو تعرضه لاتهامات سياسية، لا يمنح المسؤولين حصانة من المساءلة، كما أن تقديمه نفسه بوصفه خبيراً لا يمنحه حصانة من التدقيق في معلوماته.
من المستفيد من استمرار الانقسام؟
الحقيقة أن المستفيد الأكبر من استمرار انقسام قطاع الاتصالات هو الحوثيون، لأن بقاء البنية الأساسية والإيرادات والربط الدولي تحت نفوذهم يمنحهم موارد مالية وأدوات أمنية وعسكرية مهمة.
لكن هذا لا يعني أن جميع المستفيدين من الوضع القائم موجودون في صنعاء.
فقد توجد مصالح داخل مؤسسات الحكومة تستفيد من استمرار الفوضى، أو من تعثر المشاريع، أو من بقاء بعض الشركات والأنشطة التجارية رهينة ترتيبات غير شفافة.
وهنا يصبح من الضروري ألا تكتفي الحكومة بمواجهة الحوثيين إعلامياً، بينما تترك مؤسساتها الداخلية عرضة للصراعات وتضارب المصالح.
لقد كشفت حلقة المحيميد، بصرف النظر عن مدى صحة كل ما ورد فيها، عن حجم الأسئلة التي تراكمت حول قطاع الاتصالات، وعن غياب الشفافية في ملفات كان ينبغي أن تكون خاضعة للرقابة منذ سنوات.
ولذلك فإن المطلوب ليس الدخول في سجال جديد بين المحيميد والمسؤولين الذين انتقدهم، ولا تحويل القضية إلى معركة إعلامية بين مؤيديه وخصومه.
المطلوب أن تتحرك الجهات الرقابية، وفي مقدمتها الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة والنيابة المختصة، لفحص الوثائق والعقود والاتهامات المتعلقة بمصير المشاريع والأموال والمعدات، واستدعاء الأطراف المعنية لسماع أقوالها.
كما ينبغي نشر نتائج التحقيقات للرأي العام، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في تعطيل مشاريع الدولة أو استغلال موقعه الوظيفي لتحقيق مصالح خاصة.
إن تحرير قطاع الاتصالات يحتاج إلى مسارين متوازيين: مسار عاجل لتحصين الشبكات والمؤسسات والاتصالات العسكرية من الاختراق والسيطرة الحوثية، ومسار وطني مستدام لبناء بنية تحتية مستقلة، وإصلاح الإدارة، وضمان الشفافية والمنافسة وحماية البيانات.
فإذا كان الحوثيون يرفضون التخلي عن الاتصالات، فمن الذي يمنع الحكومة من تحريرها؟
وهل يعقل أن تستمر الحرب كل هذه السنوات، ثم نكتشف أن بعض مفاتيحها ليست في أيدي الحوثيين وحدهم، وإنما توجد أيضاً في أيدي أطراف داخل مؤسسات الحكومة يفترض أنها تخوض معركة استعادة الدولة؟
إن المشكلة لم تعد في معرفة من يسيطر على الاتصالات، بل في معرفة من يريد فعلاً تحريرها، ومن يستفيد من بقائها رهينة للانقسام والفساد والمصالح الخاصة.
وإلى أن تجيب الحكومة عن هذه الأسئلة بالأفعال والوثائق، سيظل المواطن اليمني يدفع ثمن قطاع اتصالات لا يخدمه كما ينبغي، بينما يستفيد من استمرار اختلالاته الحوثيون، وربما أطراف أخرى داخل معسكر يفترض أنه يقاتل لاستعادة الدولة
واللافت أن المحيميد لم يحصر المشكلة في سيطرة الحوثيين على مؤسسات الاتصالات في صنعاء، بل تحدث عن وجود أطراف ومراكز مصالح داخل مؤسسات الحكومة نفسها تستفيد من استمرار الوضع القائم.
وهنا يصبح السؤال أكثر إحراجاً: إذا كان الحوثيون يرفضون التخلي عن سيطرتهم على الاتصالات، فمن الذي يمنع الحكومة من بناء قطاع اتصالات مستقل في المناطق المحررة؟ وهل نحن أمام عجز حكومي، أم أمام شبكة مصالح تتقاطع فيها حسابات المسؤولين مع مصالح الحوثيين؟
الحوثيون.. السيطرة على الاتصالات تعني السيطرة على مورد استراتيجي
لا يحتاج أحد إلى كثير من الأدلة لإثبات أن الحوثيين استفادوا بصورة كبيرة من احتفاظهم بمؤسسات الاتصالات الرئيسية في صنعاء، وفي مقدمتها المؤسسة العامة للاتصالات وشبكة يمن نت، إضافة إلى نفوذهم في البنية التحتية والربط الدولي.
وتؤكد الدراسات والتقارير المنشورة أن سيطرة الجماعة لا تقتصر على المؤسسات الإدارية، بل تمتد إلى جوانب أساسية من البنية الفنية والتشغيلية، بما فيها البوابات الدولية ومسارات الكابلات البحرية والألياف الضوئية.
وقد أشار تقرير بحثي لمركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية إلى أن الحوثيين يستحوذون على حصة كبيرة من عائدات القطاع، مقدراً إيرادات الاتصالات السنوية الخاضعة لنفوذهم بنحو 120 مليار ريال يمني وفق أسعار الصرف المستخدمة في مناطقهم.
كما أشار تقرير فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة لعام 2025 إلى استمرار شركات الاتصالات الخاضعة لسيطرة الحوثيين في تحصيل إيرادات المكالمات الدولية والتجوال، بما في ذلك إيرادات مرتبطة بمشتركين موجودين في المناطق الخاضعة للحكومة.
وهذا يعني أن الحوثيين لا يسيطرون على خدمة اتصالات يستخدمها المواطنون فحسب، بل يمتلكون مورداً اقتصادياً مهماً وأداة نفوذ أمني ومعلوماتي يمكن توظيفها في الحرب.
ومن هنا تبدو خطورة استمرار اعتماد المناطق المحررة على بنية اتصالات لا تملك الحكومة السيطرة الكاملة عليها.
لكن المشكلة أن الحكومة، طوال سنوات الحرب، لم تنجح في بناء منظومة بديلة ومتكاملة تستطيع أن تنهي هذا الاعتماد.
لوبي المصالح.. هل أصبح داخل الحكومة شريكاً في التعطيل؟
الجانب الأكثر إثارة في حديث المحيميد هو اتهامه بعض المسؤولين والنافذين داخل مؤسسات الحكومة بالتسبب في تعطيل مشاريع استراتيجية، وتحويل قطاع الاتصالات إلى ساحة لتصفية الحسابات وتحقيق المصالح التجارية.
ومن بين الملفات التي أثارها ما يتعلق بشركة سبأفون، ومشروع عدن نت، وشبكات الألياف الضوئية، إضافة إلى مصير منظومة الاتصالات العسكرية التابعة لوزارة الدفاع.
وإذا كانت هذه الاتهامات صحيحة، فإننا لا نكون أمام مجرد سوء إدارة أو إخفاق إداري، بل أمام مشكلة تتعلق بتعارض المصالح مع مسؤولية الدولة عن حماية قطاع استراتيجي.
ومن غير المقبول أن تظل مشاريع الاتصالات رهينة خلافات المسؤولين، أو أن تتعطل الاستثمارات بسبب صراعات على العقود والتراخيص والمناصب.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن يوجه إلى الجهات الرقابية هو: لماذا لم تُفتح تحقيقات جدية في أسباب تعثر نقل الشركات وتوقف بعض المشاريع، ومصير المعدات والاستثمارات، والجهات التي استفادت من القرارات التي أعاقت بناء قطاع مستقل؟
إن وجود الحوثيين في صنعاء لا يعفي مسؤولي الحكومة في عدن من مسؤولياتهم، ولا يمكن أن يتحول إلى شماعة دائمة لتبرير الإخفاقات.
شادي باصرة ووائل طرموم.. أسئلة تحتاج إلى إجابات
من بين الأسماء التي تطرق إليها المحيميد في الحلقة الدكتور شادي باصرة، وزير الاتصالات وتقنية المعلومات، والمهندس وائل طرموم، المدير العام التنفيذي للمؤسسة العامة للاتصالات.
كما أثار ملف شركة نماء وعلاقاتها بالمصالح التجارية المرتبطة ببعض المسؤولين.
وهذه اتهامات لا يجوز تجاهلها، لكنها في الوقت نفسه لا يجوز التعامل معها باعتبارها حقائق ثابتة قبل التحقق من الوثائق والسجلات التجارية والعقود ذات الصلة.
فإذا كانت هناك علاقة تجارية أو ملكية أو شراكة بين مسؤول حكومي وشركة تستفيد من قرارات القطاع، فمن حق الرأي العام معرفة طبيعة تلك العلاقة، ومدى توافقها مع القوانين المنظمة لتضارب المصالح.
وفي المقابل، فإن المسؤولين الذين وردت أسماؤهم في الاتهامات مطالبون بتقديم توضيحات للرأي العام، لا الاكتفاء بالصمت أو اعتبار كل انتقاد استهدافاً سياسياً.
واللافت أن وكالة الأنباء الرسمية نشرت في 28 أبريل 2026 خبراً عن اجتماع برئاسة الوزير شادي باصرة، وبحضور وائل طرموم، لمناقشة توسيع شبكة الألياف الضوئية وتحديث السنترالات ومعالجة الاختناقات.
كما أعلنت الوزارة في 7 مايو 2026 عن تنفيذ مسح ميداني شامل للبنية التحتية في المحافظات المحررة، يتناول الأصول والأبراج والمقاسم وشبكات الألياف الضوئية والأطياف الترددية.
وهذه خطوات معلنة ينبغي البناء عليها، لكنها تطرح سؤالاً أهم: أين النتائج العملية لهذه الاجتماعات والمسوح؟ وما الذي تحقق على الأرض في مجال استقلال الشبكة وتوسيع خدماتها وإنهاء ارتباطها بمراكز النفوذ في صنعاء؟
فالمواطن لا يريد المزيد من الاجتماعات والصور الرسمية، وإنما يريد أن يرى شبكة اتصالات مستقلة وخدمات أفضل ومؤسسات تعمل لمصلحة الدولة.
شركة NX.. الإمارات وإسرائيل في قلب الجدل
ومن أكثر الملفات حساسية في حديث المحيميد قضية شركة NX والاتفاقية التي أبرمتها الحكومة اليمنية مع الشركة الإماراتية لإنشاء مشروع اتصالات جديد.
وهذه القضية ليست وليدة حلقة نوفمبر 2026، فقد أثارت جدلاً واسعاً منذ عام 2023، عندما أعلنت الحكومة توقيع اتفاقية استثمارية مع شركة إماراتية في قطاع الاتصالات، من دون نشر تفاصيل كافية عنها.
وفي سبتمبر 2023 نشرت منظمة SMEX المتخصصة في الحقوق الرقمية تقريراً تناول الاتفاقية، وأشار إلى اعتراضات برلمانية على طريقة إبرامها، ومخاوف تتعلق بالشفافية والسيادة على البنية التحتية والبيانات.
كما أشار تقرير مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية في سبتمبر من العام نفسه إلى اعتراض 22 عضواً في مجلس النواب على الاتفاقية، باعتبار أنها تمس صلاحيات البرلمان الرقابية والتشريعية.
وقد أثار المحيميد بدوره مزاعم تتعلق بوجود ارتباطات تقنية إسرائيلية بالمشروع، وذهب إلى التشكيك في طبيعة الشركة والجهات المرتبطة بها.
لكن هنا ينبغي التمييز بين ثلاثة أمور: أن تكون الشركة إماراتية، وأن تتعامل مع شركات أو مزودين تقنيين من دول أخرى، وأن تكون مملوكة أو خاضعة لإدارة إسرائيلية. فهذه أمور مختلفة، ولا يجوز الخلط بينها.
وتعرّف الشركة نفسها في موقعها الرسمي بأنها شركة مملوكة بالكامل للإمارات، ومتخصصة في التكنولوجيا والأمن السيبراني والتحول الرقمي. وهذا لا يكفي وحده للإجابة عن جميع الأسئلة المتعلقة بشبكة علاقاتها التقنية أو تعاقداتها، لكنه يجعل من غير الدقيق وصفها بأنها شركة إسرائيلية دون أدلة موثقة.
والسؤال الحقيقي الذي ينبغي أن تجيب عنه الحكومة ليس فقط جنسية الشركة، وإنما طبيعة الاتفاقية، والحقوق التي منحت لها، وحجم الأصول التي ستديرها، وآليات الرقابة على البيانات، والضمانات التي تحمي السيادة الرقمية اليمنية.
فإذا كانت الاتفاقية تخدم بناء شبكة مستقلة تنهي استغلال الحوثيين للقطاع، فلماذا لم تُنشر تفاصيلها كاملة أمام البرلمان والرأي العام؟
وإذا كانت تتضمن تنازلات تمس السيادة الوطنية أو تمنح شركة أجنبية امتيازات غير متوازنة، فلماذا لم تخضع لمراجعة قانونية ورقابية مستقلة؟
ومن حق المواطنين معرفة الحقيقة بعيداً عن المزايدات السياسية أيا كانت الجهة المستفيدة أو الخاسرة.
