أحفورة عمرها 450 مليون عام تكشف أنسجة رخوة حيّرت العلماء

سمانيوز /متابعات /مرفت عبدالحميد
في اكتشاف استثنائي وصفه العلماء بأنه “واحد في المليون”، عثر باحثون على أحفورة عمرها أكثر من 450 مليون عام ما تزال تحتفظ بأنسجة رخوة نادرة، في إنجاز قد يعيد رسم صورة الحياة البحرية على الأرض قبل ظهور الديناصورات بمئات ملايين السنين، ويكشف أسرارًا جديدة عن تطور الكائنات التي بنت أولى الشعاب المرجانية القديمة.
ويؤكد الباحثون أن هذا الاكتشاف يعد من أندر الاكتشافات الأحفورية على الإطلاق، إذ إن الأنسجة الرخوة تتحلل عادة بعد وقت قصير من موت الكائنات الحية، ولا تبقى محفوظة إلا في ظروف جيولوجية استثنائية للغاية.
ونشرت الدراسة نتائجها بعد أن قادها فريق من جامعة أوكلاهوما الأمريكية، موضحة أن الأحفورة تعود إلى كائن بحري يُعرف باسم Dendrocrinus simcoensis، وهو أحد أسلاف زنابق البحر، التي تنتمي إلى نفس شعبة نجم البحر وقنافذ البحر.
قبل أكثر من 450 مليون عام، كانت البحار الضحلة تعج بكائنات بحرية متنوعة ومعقدة، في وقت لم تكن فيه الديناصورات قد ظهرت بعد، ولم تكن الغابات قد غطت اليابسة.
ومن بين أبرز هذه الكائنات زنابق البحر، التي كانت تبدو وكأنها أزهار مثبتة في قاع المحيط، تمتد أذرعها المتشعبة لالتقاط دقائق الغذاء التي تحملها التيارات البحرية، لتشكل عنصرًا أساسيًا في النظم البيئية للشعاب البحرية الأولى على كوكب الأرض.
ورغم العثور على ملايين الأحافير الخاصة بهذه الكائنات، فإن معظمها احتفظ فقط بالهياكل الكلسية الصلبة، بينما اختفت الأنسجة الرخوة المسؤولة عن الحركة والتغذية بفعل التحلل الطبيعي.
لكن الأحفورة الجديدة خالفت كل التوقعات، بعدما كشفت عن وجود الأقدام الأنبوبية، وهي تراكيب رخوة يستخدمها هذا الكائن في التقاط الغذاء ونقله إلى الفم.
ويعد هذا الاكتشاف أقدم دليل معروف على حفظ الأنسجة الرخوة في زنابق البحر، وثاني حالة فقط يتم توثيقها علميًا على الإطلاق.
عظام وأصداف
وقالت الدكتورة لينا كول، عالمة الحفريات في جامعة أوكلاهوما والمشاركة في الدراسة، إن الجلد والعيون والأعضاء الداخلية والأنسجة الرخوة تتحلل عادة فور موت الكائن الحي، لذلك فإن معظم الأحافير التي يعثر عليها العلماء تتكون من العظام أو الأسنان أو الأصداف فقط.
وأضافت أن حفظ الأنسجة الرخوة لا يحدث إلا عندما تتوافر ظروف بيئية نادرة جدًا تعمل كما لو كانت “ثلاجة طبيعية” أو “عبوة مفرغة من الهواء”، توقف عملية التحلل قبل أن تدمر البكتيريا والكائنات الدقيقة بقايا الجسم.
وأشار الباحثون إلى أن ملايين أحافير زنابق البحر معروفة للعلم، لكن العثور على أنسجة رخوة محفوظة بينها حدث مرتين فقط.
وقال الدكتور ديفيد رايت، المشارك في الدراسة، إن الأنسجة المكتشفة يزيد عمرها على 450 مليون سنة، أي أنها أقدم بأكثر من 200 مليون سنة من أقدم ديناصور معروف، وهو ما يجعلها من أقدم الأنسجة الرخوة التي جرى توثيقها في السجل الأحفوري.
فرصة
وأتاح الاكتشاف للباحثين فرصة غير مسبوقة لدراسة طريقة تغذية هذه الكائنات البحرية القديمة.
فالأقدام الأنبوبية تؤدي دورًا رئيسيًا في التقاط الغذاء، كما أن شكلها وترتيبها يكشفان طبيعة التيارات البحرية، وحجم الغذاء المتاح، والاستراتيجية التي اعتمدها الكائن للبقاء.
وأوضح رايت أن هذه التراكيب تؤدي بالنسبة لزنابق البحر دورًا يشبه أهمية الأسنان لدى الثدييات، إذ تكشف الكثير عن البيئة التي عاش فيها الكائن وطريقة تغذيته.
وعند مقارنة الأحفورة بالأنواع الحديثة، اكتشف العلماء أن ترتيب الأقدام الأنبوبية يختلف بصورة واضحة، ما يشير إلى أن الكائنات القديمة كانت تشغل أدوارًا بيئية مختلفة تمامًا عن أقاربها المعاصرين.
نظم بيئية
ويرى الباحثون أن هذه الفروق تقدم أدلة مهمة على كيفية تطور زنابق البحر عبر مئات الملايين من السنين، وكيف تغيرت أساليبها في التغذية مع تطور النظم البيئية البحرية.
كما تساعد النتائج في إعادة بناء صورة أكثر دقة للشعاب المرجانية القديمة، وفهم كيفية توزيع الكائنات البحرية للموارد الغذائية واستجابتها لحركة المياه خلال بدايات العصر الباليوزوي.
والمثير في الاكتشاف أن الأحفورة لم تُكتشف حديثًا في الحقل، بل كانت محفوظة منذ سنوات داخل متحف مونتريال لعلم الحفريات والتطور في كندا.
ولم يدرك العلماء قيمتها الاستثنائية إلا عندما أعاد فريق البحث فحصها خلال زيارة علمية، حيث مكنتهم خبرتهم من تمييز الأنسجة الرخوة التي كان من السهل اعتبارها مجرد آثار على الصخور.
ويؤكد الباحثون أن هذه القصة تبرز الدور الحيوي الذي تؤديه المتاحف العلمية، إذ لا تنتهي قيمة الأحفورة بمجرد استخراجها من باطن الأرض، بل قد تكشف التقنيات الحديثة أو النظرة العلمية الجديدة عن أسرار ظلت مخفية لعقود.
أسرار علمية
ويشرف فريق جامعة أوكلاهوما على أكثر من مليون أحفورة لكائنات بحرية لا فقارية، ويؤكد أن عددًا كبيرًا منها لم يخضع بعد للدراسة التفصيلية.
ويختتم الباحثون بالتأكيد على أن مجموعات المتاحف حول العالم لا تزال تخفي اكتشافات قد تغير فهمنا لتاريخ الحياة على الأرض، وأن كثيرًا من الأسرار العلمية ربما تكون موجودة بالفعل داخل خزائن المتاحف، بانتظار الباحث المناسب أو التقنية المناسبة للكشف عنها.
