أرسل العلماء كاميرا إلى أعماق الجليد.. ماذا وجدوا؟

سمانيوز /متابعات /وائل زكير
في واحدة من أكثر الاكتشافات البحرية إثارة، قادت كاميرا أُرسلت إلى أعماق المياه المتجمدة في القارة القطبية الجنوبية العلماء إلى العثور على ما يُقدَّر بنحو 60 مليون عش لأسماك الجليد، في أكبر مستعمرة تكاثر للأسماك تُسجل على الإطلاق، لتكشف عن عالم مخفي ظل بعيدا عن الأنظار في قاع بحر ويديل.
وجاء الاكتشاف خلال بعثة علمية على متن كاسحة الجليد الألمانية “بولارستيرن”، حيث كان فريق من معهد ألفريد فيجنر يدرس النظام البيئي في بحر ويديل، مستخدما نظام تصوير متطور يُعرف باسم OFOBS، وهو كاميرا ضخمة تزن نحو طن تُسحب خلف السفينة لتصوير قاع البحر ورسم تضاريسه.
ولم يكن الباحثون يبحثون عن مستعمرة للأسماك، لكن الصور التي التقطتها الكاميرا كشفت مشهدًا مذهلًا؛ ملايين الأعشاش المنتشرة على مساحة شاسعة، ويقف فوق معظمها سمك كبير يحرس البيض، في سلوك تكاثر منظم لم يسبق توثيقه بهذا الحجم.
وتعود الأعشاش إلى سمكة “نيوباجيتوبسيس أيونا”، وهي إحدى أسماك الجليد في القطب الجنوبي، وتتميز بتركيب بيولوجي فريد يجعلها الفقاريات الوحيدة المعروفة التي تخلو دماؤها من الهيموغلوبين، ما يمنحها لونًا أبيض شاحبًا وقدرة استثنائية على التكيف مع المياه القطبية شديدة البرودة.
وحفر كل زوج من الأسماك عشا صغيرا في قاع البحر الطيني، بينما يحتوي كل عش في المتوسط على نحو 1700 بيضة، وهو ما يشير إلى أن المستعمرة تضم عددًا هائلًا من الأجنة والأسماك الصغيرة التي تنمو في بيئة مثالية للتكاثر.
اكتشاف استثنائي
وقال الباحث أوتون بورسر من معهد ألفريد فيجنر إن الفريق أدرك سريعا أنه أمام اكتشاف استثنائي بعد مراجعة البيانات وإرسالها إلى المعهد، مضيفًا أن حدود المستعمرة كانت لافتة للنظر، إذ انتهت منطقة الأعشاش فجأة وكأنها مرسومة بخط واضح، في مشهد شبّهه بمستعمرات البطاريق التي تنتهي عند حدود دقيقة.
سر التجمع الهائل
ويرى العلماء أن سر هذا التجمع الهائل يعود إلى تيار مائي دافئ نسبيا يرتفع من أعماق المحيط، إذ تزيد حرارته بنحو درجتين مئويتين عن المياه المحيطة. ويسهم هذا التيار في نقل العوالق الحيوانية المجهرية إلى الطبقات العليا، لتوفر مصدرا غذائيا مثاليا لصغار الأسماك بعد الفقس، ما يجعل المنطقة واحدة من أفضل مواقع التكاثر في القارة القطبية الجنوبية.
كما رصد الباحثون وجود عدد كبير من أسماك الجليد النافقة بين الأعشاش، وهو ما يشير إلى أن المستعمرة تؤدي دورا محوريا في السلسلة الغذائية، إذ توفر مصدرا مهما لغذاء حيوانات بحرية مثل فقمة ويديل وغيرها من المفترسات في المنطقة.
ونُشرت نتائج الاكتشاف في مجلة “Current Biology، وأكد الباحثون أن المنطقة تضم أكبر مستعمرة تكاثر مستمرة للأسماك من حيث المساحة اكتُشفت في العالم حتى الآن، فضلًا عن احتوائها على واحدة من أعلى الكتل الحيوية المسجلة في قاع البحر بالقارة القطبية الجنوبية.
ودفع هذا الاكتشاف العلماء إلى المطالبة بحماية الموقع، حيث يجري العمل مع لجنة الحفاظ على الموارد البحرية الحية في القطب الجنوبي لتصنيفه منطقة بحرية محمية، بهدف الحفاظ على هذا النظام البيئي الفريد من أي أنشطة قد تهدد استمراره.
كامرتان للمراقبة
وقبل مغادرة الموقع، ترك الباحثون كاميرتين تعملان في أعماق البحر لمراقبة المستعمرة على المدى الطويل، على أمل كشف مزيد من الأسرار حول حياة أسماك الجليد وكيفية تكيفها مع واحدة من أقسى البيئات على كوكب الأرض.
