سر مسارات السماء الملتوية.. لماذا لا تطير الطائرات في خطوط مستقيمة؟

سمانيوز /متابعات /السيد محمود المتولي
يحدق المسافر إلى خريطة الرحلة على شاشة الطائرة أو تطبيقات تتبع الطيران، فيلاحظ أن الطائرة لا تسير دائماً في خط مستقيم نحو وجهتها، بل قد تنحرف شمالاً أو جنوباً، أو تتخذ مساراً يبدو أطول من المسافة المباشرة بين المدينتين، لكن هذا المسار لا يعني بالضرورة أن الطائرة تسلك طريقاً غير اقتصادي، ففي عالم الطيران، لا يعتمد اختيار المسار على أقصر مسافة جغرافية وحدها، بل على مجموعة من العوامل الجوية والملاحية والتشغيلية التي تحدد الطريق الأنسب للوصول.
وتبدأ المفارقة من شكل الأرض نفسه، فالخط الذي يبدو مستقيماً على الخريطة المسطحة ليس بالضرورة أقصر طريق بين نقطتين على سطح الكرة الأرضية، ويُعرف المسار الأقصر بين موقعين على سطح الكرة باسم «مسار الدائرة العظمى»، وقد يظهر منحنياً عند عرضه على الخرائط المسطحة، خصوصاً في الرحلات الطويلة العابرة للقارات.
ويوضح موقع Flightradar24، المتخصص في تتبع الرحلات الجوية، أن بعض المسارات التي تبدو ملتوية على الخريطة تكون في الحقيقة أقصر مسافة بين مدينتين، ويضرب مثالاً برحلة من شيكاغو إلى دبي، إذ قد يبدو مسارها على الخريطة وكأنه يمر في اتجاه غير مباشر، بينما يتبع أقصر مسار جغرافي على سطح الأرض.
الرياح قد تجعل الطريق الأطول أسرع
من أبرز العوامل التي تؤثر في اختيار مسار الطائرة حركة الرياح على الارتفاعات العالية، خصوصاً التيارات النفاثة، وهي نطاقات من الرياح القوية في طبقات الجو العليا، ويمكن لهذه الرياح أن تساعد الطائرة على زيادة سرعتها الأرضية عندما تتحرك في اتجاهها، أو تبطئها عندما تواجهها.
ولهذا قد تختار شركات الطيران مساراً أطول قليلاً للاستفادة من رياح خلفية قوية، أو الابتعاد عن رياح معاكسة ترفع زمن الرحلة واستهلاك الوقود. فالهدف ليس دائماً قطع أقل عدد من الكيلومترات، بل الوصول بأفضل كفاءة ممكنة من حيث الوقت والوقود.
وتشير إدارة الأرصاد الجوية البريطانية إلى أن الطائرات يمكن أن تستفيد من التحليق مع اتجاه التيارات النفاثة لتقليل زمن الرحلة واستهلاك الوقود، بينما قد يؤدي الطيران عكس اتجاهها إلى زيادة الوقت والتكلفة التشغيلية.
الطقس والعواصف يفرضان تغيير المسار
لا تسير الطائرات دائماً وفق المسار المخطط له قبل الإقلاع، إذ قد تستدعي الظروف الجوية تعديله أثناء الرحلة،ويمكن للطيارين تغيير الاتجاه لتجنب العواصف الرعدية ومناطق الاضطرابات الجوية الشديدة، أو الابتعاد عن ظروف قد تؤثر في سلامة الطيران.
وتوضح إدارة الطيران الفيدرالية الأمريكية أن الأحوال الجوية السيئة قد تدفع مراقبي الحركة الجوية إلى إصدار مسارات بديلة للطائرات، بما يسمح بتجنب مناطق الطقس العنيف وتنظيم حركة الرحلات في الأجواء المزدحمة. وقد تكون هذه المسارات أطول من المسارات المعتادة، لكنها تتيح للطائرات تجاوز الظروف الجوية غير الملائمة.
الممرات الجوية وتنظيم حركة الطائرات
تستخدم الطائرات التجارية شبكة من الممرات والمسارات الجوية ونقاط الملاحة المحددة، ولا تتحرك بصورة عشوائية بين المطارات، وتساعد هذه الشبكة على تنظيم حركة الطائرات، وتحديد مساراتها، والحفاظ على مسافات آمنة بينها، خصوصاً بالقرب من المطارات والمناطق التي تشهد حركة جوية كثيفة.
وقد يضطر الطيار إلى اتباع نقاط ملاحة محددة بدلاً من التوجه مباشرة إلى وجهته، وفقاً للتعليمات الصادرة عن مراقبة الحركة الجوية. وفي بعض الحالات، يمكن السماح للطائرة باختصار المسار إذا كانت كثافة الحركة والظروف التشغيلية تسمح بذلك.
ووفق موقع Flightradar24 فإن مسارات الطيران تعتمد على نقاط ملاحة وممرات جوية تساعد الطائرات على الانتقال بين المناطق المختلفة، كما تسهم في تنظيم حركة الطيران وتحديد المسافات الآمنة بين الرحلات.
المجال الجوي والقيود الجغرافية والسياسية
هناك مناطق لا تستطيع الطائرات عبورها بحرية، إما بسبب قيود جوية أو عسكرية، أو نتيجة إغلاق بعض المجالات الجوية، أو وجود مناطق محظورة ومقيدة، وقد تضطر الرحلات إلى الالتفاف حول هذه المناطق، ما يضيف مسافة إلى الرحلة ويغير شكل مسارها على الخريطة.
كما تؤثر التضاريس والاعتبارات الجغرافية في بعض المسارات، خصوصاً عند التحليق بالقرب من سلاسل جبلية مرتفعة أو مناطق يصعب توفير مطارات بديلة مناسبة فيها عند الحاجة إلى الهبوط الاضطراري.
وتشير دراسة أكاديمية نشرها الباحث فريديريك دوبروسكيس عام 2019 بعنوان «لماذا لا تطير الطائرات في أقصر المسارات؟» إلى أن انحراف الرحلات عن أقصر مسار يرتبط بعوامل تقنية وطبيعية وجيوسياسية واجتماعية واقتصادية، وأن تأثير هذه العوامل يختلف من رحلة إلى أخرى.
أقصر مسافة ليست دائماً أفضل اختيار
تخضع الخطة النهائية للرحلة لموازنة بين المسافة والوقت واستهلاك الوقود والظروف الجوية ومتطلبات السلامة، وقد يكون المسار الأطول جغرافياً أسرع في الوصول، إذا استفادت الطائرة من رياح مواتية، أو تجنبت ازدحاماً جوياً أو عاصفة في طريقها.
إن انحناء خط الرحلة على شاشة التتبع لا يعني أن الطائرة ضلّت طريقها أو أن هناك خللاً في الملاحة، فقد يكون هذا المسار هو الأنسب للظروف القائمة وقت الرحلة، كما أن المسار نفسه بين مدينتين قد يتغير من يوم إلى آخر تبعاً للرياح والطقس وحركة الطيران والقيود المفروضة على المجالات الجوية.
