( القاعدة الخامسة )

قصة قصيرة / كتبها / شهاب المليكي
سئمت والدتي من جمودي و عدم رغبتي بالزواج.. نعم لقد أصبحت في الخامسة والثلاثون من عمري، ومازلت لا أُريدُ الزواج.
لقد عرضت علي الكثير من الجميلات أخرهن رهيبة، لا لا لا أقصد أنها رهيبة بل إسمها رهيبة.
قررت والدتي أخذي إلى قارئة الفنجان و العرافة الشهيرة في منطقتنا، يُطلق عليها مريم
كانت مريم أو الشيخة مريم كما يُطلق عليها من قِبل أهل الحي، كبيرة في السن ذو روح شبابية، ملامحها ساحرة حتى والتجاعيد تُزين وجهها، يقال أنها لم تتزوج حتى الآن.
في الحقيقة أنا لا تروق لي هذه الخُزعبلات بل كنتُ دوما ما أنتقد كُل من يذهب إليها
ولكن بعد إلحاح والدتي للذهاب قررتُ الذهاب معها، و بالفعل ذهبنا إليها.
كان منزلها جميل و مرتب، أحضرت القهوة لنا وقالت لي دون مقدمات، وبصيغة الأمر بطريقة حنونه يا صقر إشرب القهوة في الحال.. شربتُ القهوة و أنا مبتسم و في الحقيقة كنتُ على يقين تام أنها لن تعرف سبب رفضي لفكرة الزواج والإرتباط.
أنهيتُ شُرب القهوة و أخذتْ الفِنجان الخاص بي وقلبته لدقائق وهي تنظُر إلى عيناي بحنية أما أنا فكنتُ أتأمل ملامحها وأقول في نفسي :
هل يُعقل أنها كانت تعيش بين مجموعة من الكفيفين ؟!
هل يُعقل أنه لم يُلاحظ أحداً جمالها؟!
مرت الدقائق و فتحت فنجاني وقالت لي بصوت مُبتسم زادها جمالاً : هناك خمس قواعد أساسية في إختيار شريكة حياتي أولها أن تكون ملكة جمال.
في تلك اللحظات.
إقشعر جسدي، فتحتُ عيني، شعرتُ ببرودة وكأن أحدهم صب دلو من الثلج عليّ و تجمدتُ و كأن الطير على رأسي
عادت ذاكرتي لقبل تسعة أعوام، حينما قُلتُ هذه الجُملة لصديقتي في الجامعة رغد
نعم، لقد قُلت هذا الكلام حرفياً، لم أزد حرفاً أو أُنقصة .
ذاك اليوم أتذكرة جيداً، كنتُ أراتدي بدلة سوداء ذو قميصٍ أبيض وربطة عُنق سوداء . .
كنت لا أُحب شُرب المُنبهات بل كنتُ أشرب حينها عصير فراولة بارد جداً، وهي كانت ترتدي العبائة السوداء التي ترتديها فتيات موطني و كان الوشاح الذي يُغطي رأسها ذو لون زيتوني
نهضتُ مرتبكاً، وقررتُ الخروج وأنا أفتح باب منزلها، صرخت وقالت إن أردتَ التكملة تستطيع الحضور في أي وقت تشاء، ولا داعي لإصطحاب والدتكَ معك
خرجتُ من المِنزل كالسكران المرعوب، وألف سؤال جميعهم يصبون في بحر الجن، هل لدى العرافة جن ؟!
في المساء..
عُدتُ إلى المنزل، كانت والدتي صامتة لم تسألني أي سؤال أبداً ؟!
ماذا هناك لما هذا الصمتُ يا أُمي، كنت أُحدثُ نفسي بهذه العبارات.
لم أطيق البقاء، خرجتُ من المنزل و لا أعلم لماذا ذهبتُ إلى منزل الشيخة مريم؟!
كان الجو ممطراً، ومشيتُ تحت قطرات المطر، حتى وصلتُ إلى منزلها، قرعتُ الجرس وفتحت لي وقالت مُبتسمة كنتُ أنتظرك يا صقر.
دخلتُ إلى المنزل وقالت مازلتُ محتفظة بفنجانك ولكن سأحضر لك فنجان آخر
أتت وبيدها فنجان قهوة، شربته وبدأت تتحدث..
القاعدة الثانية : يجب أن تكون متفهمة لي – هنا بدأت أتحدثُ بصوت عالٍ بنفس الوقت – ويجب أن تكون مهتمة بمنظرها وأما عن شعرها يجب أن يكون طويلاً .
سقط فنجان القهوة من يدي وقلت لها، لقد كنتُ معها نسير تحت قطرات المطر لنحجز قاعة حفل تخرجنا الذي لطالما أنتظرناه، وكانت في تلك الأثناء متفهمة لي لم نختلف كثيراً بل لم نختلف أبداً .
إبتسمت الشيخة مريم وقالت، ستدفع ثمن الفنجان.. وواصلت حديثها، القاعدة الثالثة : يجب أن تكون بنفس عمري لا تصغرني كثيراً – تذكرتُ ضحكتي في ذاك اليوم حينما قلت فأنا لا أريد طفلة بل أُريدُ إمرأة – .
نظرتُ إلى الشيخة مريم وقلتُ لها تحدثي كيف تعرفين ذلك نظرت إليّ بكل برود وقالت..
القاعدة الرابعة ، قاطعتها وقلت لها : قبل حفل تخرجنا بيوم واحد هو ذاك اليوم الذي لم الذي قلتُ لها فيه قاعدتي الرابعة التي كانت
( يجب أن تكون من أُسرةً ذو خلق و أخلاق راقية، يجبُ أن تكون أُسرتها مُحترمة )
بدأت الشيخة مريم بهز رأسها وقالت نعم، نعم…
هذه هي القاعدة الرابعة يا صقر، هذه القشة التي قسمت ظهر البعير يا ولدي
نظرت إليها وقلتُ لها محاولاً إستفزازها، أنتِ ساحرةٌ لعينة.
لم يقبل أحد الزواج بكِ على الرغم من كونكِ جميلة
نظرت إلي وقالت..
أنت متهورٌ وغبي، أنا لستُ عرافة بالأساس، أنا لا أقراء الفنجان، لستُ من النساء اللواتي يتعاملن بالسحر والشعوذة.. أنا صديقة الجميع، أستطيع الشعور بالجميع، أنا بالأساس يا ولدي مختصة في علم النفس .
قاطعتها ضاحكاً يالكِ من غبية أتظنين أني سأصدقكِ ؟!
إن كنتِ صادقة يا شمطاء، كيف علمتِ بهذه التفاصيل الدقيقة ؟!
ولما تكذبين على هؤلاء المساكين الذين يأتون إليكِ، لتبعين لهم الوهم؟!
هنا كان صراخها كفيلاً لإرعابي، ولكن لم يكن الخوف هو الوحيد المُسيطر علي بل الدهشة بما قالته..
في يوم حفل تخرجك، لم تأتي ولم ترآها من بعد ذاك اليوم.
لقد إختفت، أليس كذلك يا أحمق؟!
هنا، نهضت غاضباً وبدأت بتكسير كُل ما آراه لقد رحلتْ، تركتني أتوه في عالم من الأسئلة، تركتني أُعاني ياالها من وغدة و عاااا
لا تُكمل أرجوك.
كان هذا الصوت الذي جعلني أتوقف، لا أُنكر كاد أن يُغمي علي، إنه صوت رغد.. لا لا إنه صوت رغد نعم إنها صوت رغد..
أدرت جسدي مسرعاً، وهنا كانت الدهشة..
رغد، على كرسي مُتحرك..
عادت كُل المواقف كمقطع مصور في رأسي..
لا أعلم ركضتُ إليها
رغد هذه أنتِ نعم أنتِ بخير يا حبيبتي؟!
أجهشت رغد بالبكاء، كانت تبكي بجنون..
* تباً لك ولقواعدك الحمقاء، لقد كان والدي لص، كان في السجن و قاعدتك الرابعة الحمقاء دمرت كُل عشقي لك، تبددت أحلامي وتنمرت علي آلامي، في ذاك اليوم وأنا عائدة تعرضت لحادثة أفقدتني قدرتي على السير..
والآن، أنت تُهين والدتي التي قرأت كُل مُذكراتي وأخبرتها بكل شيء، التي تعمل لتساعدني.
وهنا وضعتُ يدي على شفتيها.
* رغد .. إصمتِ .. لا تقتليني أرجوكِ بأحرفك..
القاعدة الخامسة كانت أهم القواعد.. كنتُ سأخبركِ بها في حفل تخرجنا ولكنكِ لم تأتي..
القاعدة الخامسة تقول :
( الحُب يسقط كُل القواعد يا أنتِ وأنا أُحبكِ وهذه القاعدة الثابتة التي أسقطت كُل القواعد )
عزيزي القارئ
دوماً ما نتأخر في القاعدة الخامسة، الكثير من العلاقات دُمرتْ بسبب التأخير فقط التأخير في القاعدة الخامسة..
بطل قصتنا دفع ضريبة التأخير سنوات مضت و تبعثرت ..
وفي الواقع قد لا تعود الفُرصة للبوح بالقاعدة الخامسة.. وإن تكررت الفُرصة لا تُضيعها، وإن لم تعود فلتصنعها أنت..
في الحقيقة
القاعدة الخامسة هي القاعدة الثابتة في عالم العاشقين..
فالحُب لا يؤمن بالقواعد.
