استحضار التاريخ وتراكم الخبرات من أهم شروط نهوض وتقدم البلدان والأمم.
كتب
العميد الركن/ علي ناجي عبيد
هناك مقولة فحواها( بأن من ليس له تاريخ لا له مستقبل ).
مع بعض التحفظ على مثل هذه المقولة التي يمكن الاستعاضة عنها من قبل شعوب وبلدان وأحزاب وحركات ومنظمات اجتماعية وسياسية وشركات وأفراد الخ… من خلال الاستفادة من تجارب وعبر ودروس التاريخ البشري تلك الاستفادة التي تمكنها من صنع تاريخها وبالتالي دخول سجلاته من أوسع أبوابه.
هناك أمثلة لا تعد ولا تحصى من مختلف أدوار ومراحل التاريخ من الغابر إلى المعاصر .
من أهم تلك الأمثلة وأبرزها الولايات المتحدة الأميركية التي لا يتجاوز عمرها 300 سنة، إلا قليلاً. هاهي تقود العالم وقريباً منها وأحدث كثيراً الدولة الكندية التي تسابق التقدم ويتسابق إليها الكثير من سكان العالم كأمل للحصول على فرصة حياة كريمة .
وينطبق الأمر على كثير من مؤسسي الإمبراطوريات و الدول والأحزاب والجماعات والشخصيات إلخ… التي صنعت تاريخاً ومجداً لم ترثه عن الآباء والأجداد وكذا مؤسسي الشركات والعلماء إلخ.
هذا بالتأكيد ما يضيف عبئاً كبيراً على الشعوب ، جماعات وأفراد التي لها تاريخ مجيد وإن كان غابراً.
على اعتباره ليس دافعاً للتغني بمجد الأجداد والآباء وإن كان دفينا والاستعاضة به عن صنع نهضتها ، تاريخها الجديد ، بالاستفادة من عبر سابقاته من مراحل التاريخ المختلفة.
لا شك تتقدم تلك المراحل التاريخية مرحلتاه الحديثة والمعاصرة المعايشتان لمراحل النهضة الصناعية والتقنية الإنسانية ، على طريق النهوض بالاستفادة القصوى من تراكم الخبرات المحلية سلباً وإيجاباً بهدف تفادي السلبيات وتطوير الإيجابيات بما ييسر ويسرع عملية التقدم .
مع شرط الاستفادة القصوى من تجارب وخبرات البلدان المتقدمة في مختلف مناح الحياة وبما يراعي الخصوصيات ولا اعتبار لتلك التي لا تقف أحجار عثرة وعقبات كأداء في طريق النهوض للحاق بالأمم كالتحجج بالتقاليد القبلية التي تعتبر أي القبيلة مجتمع ما قبل الدولة بالأخذ بقاعدة عدم إمكانية غمد ( سيفين في غمد واحد). وغيرها من التقاليد والعوامل والممارسات المعرقلة للأمم والشعوب في مسيرة التقدم .
من أهم تلك الأمثلة بعض فتاوى التحريم لغير المألوف مثل تحريم المطبعة المكتشفة في الغرب والتي حرمها العلماء في الدولة العثمانية وتأخرت لأكثر من 200 عام ومثلها في مصر والتي جلبها الغازي الفرنسي نابليون ( مطبعة بولاق ) وأُجِّلت ل 200 عام كما توالت عملية تحريم الجديد من المكتشفات والإختراعات العلمية مثل الإذاعة والتلفزيون والسينما والتي ظلت مواضيع خلاف ، السينما مثلا لم تدخل بلدان عربية إلا مؤخراً وعلى إستحياء ومنها المملكة العربية السعودية
التي دخلت عدن في الخمسينات واجتُثَّت في عام 1994م على إعتبارها حراما.
استحضار التاريخ من أجل الحاضر والمستقبل :
من الانصاف استخدام المناهج العلمية في عملية استحضار التاريخ بدءاً من استحضار كل الظروف والعوامل الداخلية والخارجية المؤثرة والمحيطة في زمن صنع ذلك التاريخ ،وتمحيصه وفق تلك العوامل والمؤثرات التي ساهمت في صنعه، لا من تاريخ في أزمان سبقته أو من زمن الحاضر المختلف عن ذلك الزمن وظروفه، إما كلياًّ أو نسبياً بأعمال العقل وبعيداً عن العواطف والأهم من ذلك بعيداً عن الخصومات مع ذلك الماضي بإعتبارها واحدة من العقبات في مسيرة النهوض.
من الضرورة بهدف الاستفادة القصوى من دروسه وعبره وتجاربه على إعتباره ملكاً للأجيال الحاضرة واللاحقة بكل ما له وما عليه مع لزوم التقيد بالقاعدة القائلة ( أنّ من ليس أميناً على الماضي فلا ولن يؤتمن على الحاضر والمستقبل ).
تراكم الخبرات
إذا سلمنا الأمر بأهمية الاستفادة من تجارب ودروس وعبر الماضي وأنه أمانة تقع على الأجيال الحاضرة وعلى رأسها صناع التاريخ.
ومثله الاستفادة من تجارب الأمم بهدف التسريع في الخروج من مستنقعات التخلف ،فلا بد من الأخذ بالضرورة بتراكم الخبرات عن عادة كنس إيجابيات الماضي وتحديداً الحديث والقريب والمعاش ،كما حصل في مراحل معينة قريبة في بلدان عربية عدة ومنها الجنوب.
فإذا كان أحد شروط النهوض الاستفادة من تجارب الماضي والأمم الأخرى ، فالأحرى الاستفادة من خبرات من سبق محلياً وهكذا سنتقدم ، مالم فإن البدأ ( من جديد وسنكسب خبرات وهكذا من يلحق ؟! ) فإن المال ليس المراوحة بنفس المكان فحسب بل الذهاب مع سبق الإصرار إلى مهاوي التخلف والدمار .
بقلم الخبير العسكري والإستراتيجي..
العميد الركن
علي ناجي عبيد
