ماذا ستفعل أوروبا إذا عاد ترامب إلى البيت الأبيض؟

سمانيوز/وكالات
قد يمثل فوز ترامب كارثة على أوكرانيا وأوروبا، وقد يخاطر بتفكيك الناتو، وفقدان الثقة بين الحلفاء. فكيف ستتصرف أوروبا؟
سلطت مجلة ذي إيكونوميست الضوء على التداعيات المحتملة على أوروبا حال فوز دونالد ترامب بانتخابات الرئاسة الأمريكية المقررة عام 2024.
ورأت المجلة البريطانية، في تقرير لها أمس الثلاثاء 11 يوليو 2023، إلى أن فوز ترامب قد يمثل كارثة على أوكرانيا وأوروبا، وقد يخاطر بتفكيك حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وفقدان الثقة بين الحلفاء.
عودة ترامب
أشار تقرير ذي إيكونوميست إلى تصريح الرئيس الأمريكي السابق بأنه سيُنهي الحرب الروسية الأوكرانية “في غضون 24 ساعة”، حال إعادة انتخابه رئيسًا، العام المقبل. ورأت المجلة أن كلماته تشير ضمنًا إلى وقف المساعدات العسكرية لأوكرانيا، والسماح لروسيا بالحفاظ على مكاسبها.
وهكذا، قالت المجلة إن عودة ترامب قد تصبح كارثة لأوكرانيا وأوروبا، لأنه قد ينفذ تهديده، الذي يعود إلى ولايته الأولى، بمغادرة الناتو، مشيرة إلى أنه على الرغم من أن سيواجه معارضة صارمة في الكونجرس، فإن مجرد التلميح بأنه لن يقاتل من أجل الحلفاء قد يكمل محاولات روسيا لتدمير النظام الأوروبي، لأن التحالفات تُبنى على الثقة.
مخاوف أوروبية
حسب المجلة، قدمت أمريكا، تحت حكم الرئيس جو بايدن، نصيب الأسد من المساعدات العسكرية لأوكرانيا، والقيادة اللازمة لحشد الرد الأوروبي. وإذا أظهرت الحرب قيمة الحماية الأمريكية، فإن شعبوية ترامب قد تُظهر السرعة التي يمكن خسارتها بها.
وتجد الحكومات الأوروبية نفسها في قبضة 3 مخاوف، وفق ذي إيكونوميست، وهي الخوف من أن تهاجمهم روسيا، وأن تسلبهم الصين اقتصاديًّا، وأن تتخلى عنهم أمريكا.
الحل الفرنسي
في هذا الصدد، تقدم فرنسا الحل الواضح لهذه المخاوف، المتمثل في الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي. وفي مايو الماضي، تساءل الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون: “هل ستظل الإدارة الأمريكية كما هي؟ لا أحد يعرف”.
وقال ماكرون: “نحن لا نستطيع تفويض أمننا الجماعي واستقرارنا إلى خيارات الناخبين الأمريكيين”، مشددًا على أن الأوروبيين يحتاجون إلى أن يصبحوا قادرين على الدفاع عن أنفسهم، ليس فقط عسكريًّا، بل اقتصاديًّا أيضًا.
محاولة لقطع العلاقات؟
رأى النقاد في دعوة ماكرون للاستقلال الاستراتيجي محاولة لقطع علاقات أوروبا بأمريكا. لكن على الجانب الآخر، يعتقد المسؤولون الفرنسيون أن الانفصال العابر للأطلسي يحدث بالفعل، بسبب اتجاه أمريكا نحو الداخل وتركيز سياستها الخارجية على الصين. وترامب هو التعبير الأكثر وحشية عن هذا الاتجاه.
وذهب أنصار هذا الرأي إلى أن الفرق بين الرؤساء الديمقراطيين والجمهوريين المستقبليين قد يكون السرعة والمدى اللذين تبتعد بهما أمريكا عن أوروبا. إلا أن معظم الحكومات الأوروبية لا تتشارك هذا التحليل بالكامل، وفق ذي إيكونوميست.
الدفاع الأوروبي
نظريًا، تستطيع أوروبا الدفاع عن نفسها إذا تخلت واشنطن عنها. فحسب المجلة البريطانية، حلفاء الناتو الأوروبيون دول صناعية ويبلغ عدد سكانها 600 مليون شخص، ولديها 2 مليون شخص يحملون السلاح، إضافة إلى عقود من الخبرة في العمل معًا. وتمتلك بريطانيا وفرنسا أسلحة نووية ومقعدين دائمين في مجلس الأمن.
وأوضحت ذي إيكونوميست أن واشنطن، تمثل ثلثي إجمالي الإنفاق الدفاعي للناتو، وأن 10 فقط من 30 حليفًا لأمريكا سيكون بهدف إنفاق 2% من الناتج المحلي الإجمالي على الدفاع هذا العام. لكن هذا سيكون كافيًا لصد روسيا.
إلا أن أوروبا لا تعمل بنحو جماعي، وإنفاقها مشتت بين عشرات الجيوش والقوات الجوية والبحرية الضعيفة، ويذهب معظمه إلى الصناعات الوطنية المدللة. كما أن الأوروبيين لا يتفقون على الأولويات، ولا يثقون ببعضهم بما يكفي لتحديد ما يجب أن يستتبعه المزيد من الاستقلال الذاتي.
هل تعمل أوروبا وحدها؟
في حالة تخلي أمريكا عن أوكرانيا، يقول بعض الدبلوماسيين إن أوروبا ستواصل الجهد الحربي بمفردها، في حين يشك الكثيرون. وأشارت “ذي إيكونوميست” إلى أن ترسانات أوروبا أصغر ومستنزفة أكثر من ترسانات أمريكا. كما أن صناعتها الدفاعية تعاني من مشكلات مشابهة لتلك التي تعاني منها الصناعة الأمريكية.
وإذا غادر ترامب الناتو كليًا، سيحاول الأوروبيون الاستيلاء على معداته بدلًا من تحويل الاتحاد الأوروبي إلى تحالف عسكري، وفق ما رأى الباحث بالمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، ومساعد الأمين العام للناتو سابقًا، كاميل جراند.
تحديات الاستقلال الأوروبي
رأى جراند أنه سيتعين على الأوروبيين سد الفجوات التي تملأها أمريكا في أوروبا، وشراء المعدات الباهظة التي توفرها أمريكا بوفرة، وهو ما قد يستغرق عقدًا لتحقيقه. وستصبح القيادة مشكلة، لأن الأوروبيين يفتقدون لقائد يحل محل الهيمنة الأمريكية.
ثم تأتي مشكلة الردع النووي. فروسيا لديها 6 آلاف رأسًا حربيًا نوويًا، في حين تمتلك كلا من بريطانيا وفرنسا 200-300 فقط. ومن دون أمريكا، سيتعين على القوى النووية الأوروبية إعادة التفكير في مخزوناتها، وعقيدتها، وتعاونها مع بقية الحلفاء.
الاستقلال الاقتصادي
في ما يتعلق بالاستقلال الاقتصادي، حقق الاتحاد الأوروبي نجاحًا ملحوظًا. وحسب المجلة البريطانية، يعمل الأوروبيون تدريجيًا لتوحيد المزيد من السياسات الاقتصادية داخل الاتحاد الأوروبي. وكان لديهم سبب وجيه لفعل هذا، بعد تعرضهم لسلسة من الصدمات، من نقص اللقاحات أثناء جائحة كوفيد إلى الغزو الروسي لأوكرانيا.
ولفتت “ذي إيكونوميست” إلى أن معظم الترسانة الاقتصادية الجديدة للاتحاد الأوروبي موجهة نحو الصين.
الخوف من الكارثة
تساءلت المجلة البريطانية عن حجم تأثير فوز ترامب في تعزيز “نسخ مصغرة” منه في اليمين المتشدد في أوروبا. وتُظهر استطلاعات الرأي أن حزب “البديل من أجل ألمانيا” يتساوى مع “الحزب الاشتراكي الديمقراطي” الذي ينتمي إليه المستشار الألماني، أولاف شولتز.
وفي فرنسا، تزداد المخاوف من أن زعيمة حزب “التجمع الوطني”، مارين لوبان، قد تفوز بالرئاسة في 2027. وأشارت “ذي إيكونوميست” إلى أن كلا الحزبين مقربان من روسيا وينتقدان الدعم الغربي لأوكرانيا. ومثلما أثبت بايدن أن القوة الأمريكية يمكنها توحيد الأوروبيين، ربما يُظهر ترامب قدرتها على تقسيمهم.
وإذا استطاع الناتو تجميع المزيد من القدرات العسكرية، سيسمح لأوروبا بتولي المزيد من المسؤولية عن أمنها، في الوقت الذي تتجه أمريكا نحو آسيا، ويقدم وسيلة للتحوط في حالة أصبح الحليف الكبير عدائيًا. وربما تكون هذه أفضل طريقة لصد اتهامات ترامب بالاستغلال، وإظهار قيمة أوروبا لأمريكا، حسب المجلة البريطانية.
