الحرب الأوكرانية تدخل عامها الثالت .. والبجعة تحلق مجددا

كتب :
علي عبدالله البجيري
دخلت الحرب الأوكرانية-الروسية عامها الثالث، ومعها يشتد لهيبها. هكذا هي الحروب من السهل إشعالها لكن من الصعب إطفاؤها أو حتى تحديد نهايتها. ففي الحرب تتنوع إدواتها وتتغير تكتيكاتها وفق ما تمليه مصالح من أشعلوها ومن يستفيدون منها.
سنتان مضت على الحرب الأوكرانية- الروسية، ختمتها موسكو بتحقيق انتصار استراتيجي جزئي بالسيطرة على مدينة “Авдеевка أفدييفكا الاستراتيجية. هذا ما يجعلنا نتساءل عن ما إذا لم يحقق الدعم الغربي نتائج تذكر، وهل فعلا بدأ ذلك الدعم بالانحسار، واقتناع دول الغرب بأن الجيش الأوكراني لم يعد يستطيع الصمود . الواضح للمتابع أن مأزق دول حلف الناتو أكبر من ورطة الدولة الأوكرانية نفسها، هذا ما أفصح به رئيسها فلاديمير زيلينسكي، معترفا بأن “الوضع في الشرق بات شديد التعقيد”، وأن جيشه يواجه وضعاً معقداً جداً.
أما الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، فقد عمد الى توجيه رسالة خاصة إلى دول “الناتو” مفادها أن روسيا قوية بما فيه الكفاية وأنها عصيّة على الهزيمة. هكذا جاءت رسالة بوتين من مدينة قازان عاصمة تتارستان، وهو محلق في الجو، ممتطيا لقاذفةالاستراتيجية «تو 160 إم» ولمدة 40 دقيقة. تلك القاذفة التي يطلق عليها” البجعةالبيضاءБелый лебедь” لقدرتها على الطيران لمدة 25 ساعة بلا توقف ولمسافة 12 ألف كيلومتر، من دون أن تتزود بالوقود، مما يجعلها أن تصل إلى أي بقعة في العالم في الوقت المحدد. كما أنها تمتلك قدرات تسليحية خارقة، إذ بإمكانها حمل 12 صاروخ كروز، أو 12 صاروخاً نووياً قصير المدى.
حقائق الوضع على الأرض الأوكرانية تقول إن أوكرانيا هي ضحية سياسات غربية غير مدروسة، وضحية مغامرات سياسيين عديمي الكفاءة سواء أوكرانيين أو شركاء غربيين. بينما في الجهة المقابلة، أظهرت موسكو أنها قادرة على وقف خطر توسع حلف الناتو على حدودها وأظهرت قدرتها على الدفاع عن أمنها القومي، رغم العقوبات الغربية المفروضة عليها. وما على كيف وحلفائها إلا الاعتراف أن موسكو متفوقة حتى الآن رغم مرارة الحرب بين الشعبين السلافيين الشقيقين.
موسكو كررت دعوتها واستعدادها للدخول في مفاوضات مباشرة مع كييف بهدف التوصل إلى تسوية «إذا سمح الناتو لأوكرانيا »، لكن الغرب الذي أفشل مفاوضات سابقة عام 2022م يريد أن تكون الحرب الأوكرانية حرباً مفتوحة يستطيع من خلالها استنزاف روسيا، وإضعافها، على أمل ضرب كيانها الداخلي وإقصائها عن محيطها ومستقبل مصالحها الاقتصادية.
ومن نتائج هذه الحرب لا يزال الاقتصاد الأوروبي يعاني الركود، وكذلك الاقتصاد الأمريكي الذي يعاني من التضخم، بينما يحقق الاقتصاد الروسي المزيد من النمو، إذ بحسب الخبراء، نما الناتج المحلي الإجمالي في روسيا لعام 2023 بنسبة 3.6 في المئة، وهي نسبة أعلى من معظم الدول الغربية، التي دخل بعضها في ركود.وهذا باعتراف صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية أنه مع دخول الحرب الروسية الأوكرانية عامها الثالث، فشلت الخطط الأمريكية لعزل روسيا؛ وأوضحت الصحيفة الأمريكية أن دولاً بارزة، مثل الصين والهند والبرازيل، عززت مكانة روسيا الاقتصادية.
الخلاصة : بعد عامين على الحرب الأوكرانية-الروسية، تقلصت الآمال بتحقيق نصر حاسم لأي من الأطراف، إلا أنها لاتزال تشكل منعطفاً لإعادة رسم خرائط النفوذ وموازين القوى، بما يُبقي الأزمة مفتوحة على كل الاحتمالات. ولعل تحليق الرئيس الروسي بوتين على”طائرة البجعة البيضاء ليس مجرد رحلة استعراضية “فالبجعةالبيضاء” هي واحدة من الأسلحة الاستثنائية كما تراها موسكو، ويتزامن عودتها إلى الأجواء مع إعلان الكريملين عن تحديث 95 في المئة من القوات النووية. الرئيس بوتين ليس استثناء ، فدروس التاريخ كثيرة “إنْ لم تكن ذئباً أكلتكَ الذئاب”، إنها مؤشرات تحمل رسائل وتشاؤم للمستقبل وتطرح العديد من التساؤلات خاصة والحرب تدخل سنتها الثالثة.
