مقالات

الأسلحة الكيميائية تفضح الإخوان.. والخناق يضيق في بورتسودان

بقلم: أ. أحمد العبيد

 

وقفت أمام التقرير الذي عرضته الولايات المتحدة الأمريكية أمام المجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، والذي خلص إلى أن الجيش السوداني لجأ خلال عام 2024 لاستخدام مواد كيميائية محظورة دولياً. هذا المعطى لا يمكن تجاوزه أو تبريره، فهو يمثل انحداراً غير مسبوق في طبيعة الصراع الدائر، ويضع قيادة بورتسودان في مواجهة مباشرة مع القانون الدولي الإنساني. لسنوات روّجت السلطة الحالية لخطاب “معركة المصير” و”حماية الوطن”، لكن عندما يتم توجيه أسلحة محرمة ضد التجمعات المدنية، يسقط كل خطاب وتتكشف النوايا. هذا الخيار يعني ببساطة أن المنظومة التي تدير البلاد اختارت طريق التصعيد الأعمى بعد أن استنفدت كل أدواتها السياسية والعسكرية التقليدية.

 

 

المساحة المتاحة لهذه الجماعة تضيق يوماً بعد يوم. على الصعيد الداخلي فقدت أي غطاء مجتمعي بعد أن تحولت الحرب إلى معاناة يومية للمواطن. وعلى الصعيد الخارجي بدأت الحقائق تتكشف بالأدلة والتحاليل الفنية التي قدمتها واشنطن، والتي لم تعتمد على تقارير إعلامية بل على معطيات علمية موثقة. وهذا بحد ذاته تحول نوعي. فالمجتمع الدولي لم يعد يكتفي ببيانات الشجب، بل بدأ يدخل مرحلة التوثيق القانوني. استخدام الأسلحة الكيميائية كسر كل الخطوط الحمراء، وأثبت أن المشروع الذي يحكم الآن لا يملك رؤية للبناء، وإنما يراهن على الترويع كوسيلة للبقاء في السلطة حتى لو كان الثمن دماء الأبرياء.

 

 

اللحظة الآن لحظة مساءلة وليست لحظة بيانات. على الولايات المتحدة وحلفائها في المجتمع الدولي أن يترجموا ما كشفته التحقيقات إلى إجراءات عملية ورادعة. ينبغي فرض عقوبات صارمة ومباشرة تطال كل القيادات التي خططت أو أمرت أو نفذت أو سترت على جريمة استخدام السلاح الكيميائي، من رأس الهرم العسكري وحتى آخر حلقة في سلسلة التنفيذ. وفي الوقت ذاته لابد من تحريك المسارات القضائية الدولية لضمان مثول المتورطين أمام العدالة. لا يمكن أن نسمح بأن تمر هذه الجريمة دون عقاب، لأن الصمت اليوم يعني تشجيعاً على تكرارها غداً. إنصاف الضحايا وذويهم هو الحد الأدنى الذي يمكن أن يقدمه العالم للسودانيين الذين دفعوا الثمن غالياً.

 

 

انتهى زمن الشعارات. لا يستقيم الحديث عن “الكرامة الوطنية” في وقت تُستخدم فيه أسلحة محرمة ضد الشعب. السودانيون أدركوا أن المعركة لم تعد معركة جيوش، بل معركة وجود ومستقبل. لم يعد مقبولاً أن تُدفن الجرائم تحت ذرائع الحرب، أو أن يُمنح الجناة حصانة باسم السيادة. السبيل الوحيد لاستعادة الدولة هو كسر حلقة الإفلات من العقاب، وتقديم كل المسؤولين عن هذه الانتهاكات الجسيمة للمحاكمة. الطريق أمامنا واضح: عدالة ناجزة للضحايا، ومساءلة كاملة للمجرمين، وبناء سودان جديد لا مكان فيه لمن يستخدم السم سلاحاً ضد أهله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى