آداب و ثقافة

«ديجا فو» في «السركال أفنيو».. فنون جوهرها التساؤل

يشهد «شهر السركال للفنون»، الذي انطلق في 18 أبريل ويتواصل حتى 18 مايو الجاري، مشاركة واسعة من فنانين وممارسين ثقافيين ومجموعات إبداعية، بما جعل من الحدث مناسبة للتعبير الجماعي عن استدامة المنظومة الفنية وثباتها في الإمارات والمنطقة.

 

وذلك في حدث سنوي (أسبوع الفنون)، تم توسيع نطاقه إلى مبادرة تمتد شهراً كاملاً، ومنصة تسهم في استدامة التفاعل الثقافي، وتفتح الأبواب للحوار والتواصل ضمن المجتمع الإبداعي في دبي، في ظل هذه الظروف الاستثنائية.

وتضم برامج «الشهر» معرضاً جماعياً بعنوان «ديجا فو»، الذي افتتح في 25 أبريل، بمشاركة 50 فناناً تمثلهم 18 غاليري في الإمارات، في مبادرة مشتركة تسعى لتقديم معرض مشترك يمتد لمدة 14 يوماً، يستلهم فكرته من عبثية التكرار، مستكشفاً ذاك الشعور الموحش بأن الأيام ذاتها تعاش وتتكرر في حلقة مؤبّدة، وما يفرضه هذا التكرار من ثقل وجودي.

 

ومن هنا يطرح المعرض تساؤلات حول التكرار في دوراته المتناقضة وما تحمله من عبثية، ويستكشف ثيمته في ثلاثة مسارات أساسية؛ الغرابة الموحشة، والعبثية التاريخية، والانزلاق اللغوي.

يقول كارل ماركس في كتابه (الثامن عشر من برومير لويس بونابرت): «التاريخ يعيد نفسه مرتين؛ الأولى كمأساة، والثانية كمهزلة». ومن هذا المنطلق، يتأمل المعرض الذاكرة الجمعية لسكان المنطقة في ظل الأوضاع الجيوسياسية المتلاحقة، باحثاً في كيفية استحضار هذه الذاكرة وتبدّلها تحت وطأة الصراعات المتجددة، التي غالباً ما تظهر على هيئة ألفة مشوشة أو ذكريات أسيء تذكرها.

 

كما يبحث المعرض عبر مسار الانزلاق اللغوي في هشاشة اللغة حين تتضارب الروايات وتلتبس الحقائق، فتفقد الكلمات والرموز مصداقيتها، وتصبح دلالاتها موضع شك، وتتزعزع معها أسس التواصل.

 

يحتضن المعرض أعمالاً لنخبة من فناني المنطقة المعاصرين، من بينهم: سميرة عباسي، صادق الفراجي، نبيل عناني، عمار العطار، ميرنا بامية، لبنى شودري، صامويل فوسو، أناهيتا رازمي، لاريسا صنصور، ميثو سين، سحر شاه، المجموعة الفنية (Slavs and Tatars)، لانتيان شيه، رائد ياسين، وغيرهم.

 

وقالت بسمة البيطار، مديرة السركال أفنيو: «يقدم شهر السركال للفنون 16 معرضاً و6 استضافات في مساحاتنا الإبداعية، إضافة إلى برامج متنوعة في أنحاء الأفنيو. نحن فخورون بالدقة المتناهية التي بُني على أساسها هذا البرنامج، فخورون بتكاتف مجتمعنا لمواصلة إنتاج الأعمال الفنية الطموحة».

 

 

وقالت زينة زعرور، القيّمة الفنية مديرة البرامج في السركال أفنيو: نقدم خمسة أسابيع كاملة من فعاليات الفنون المعاصرة، ومنها الفنون البصرية وغيرها من الفعاليات المختلفة، وأحد أهم هذه البرامج «معرض ديجافو»، الذي يجمع 20 غاليري فن معاصر، من الغاليريات الموجودة في السركال أفنيو، وأربعة غاليريات أخرى من خارجه، وهي غاليريات: «تابوري أرت سبيس»، «آيرس بروجكت من أبو ظبي»، «نيكا أرت سبيس»، و«توتل أرت».

 

وتابعت: «فكرة المعرض تكمن في جمع كل هذه الغاليريات في معرض جماعي واحد، يضم أعمالاً لخمسين فناناً من مختلف الجنسيات والممارسات الفنية، بما يصل إلى أكثر من 150 عملاً فنياً، لذا فهو معرض كبير من ناحية عدد الأعمال الفنية التي يقدمها.

 

وجاءت فكرة هذا المعرض من الحرب التي اندلعت في المنطقة، وما ترتب عليها من أوضاع صعبة، ما قادنا إلى التفكير في دعم المشهد الفني والثقافي في الإمارات، من خلال إتاحة منصة إضافية لهذه الغاليريات لعرض الأعمال الفنية ولدعم الفنانين، وكذلك لبيع هذه الأعمال الفنية».

وأوضحت زعرور: «اسم المعرض «ديجا فو» جاء من وحي اسم عمل فني بالعنوان نفسه لفنان لبناني مشارك، هو رائد ياسين. طبعاً «ديجا فو» تعبير يشير إلى إحساس المرء حينما يشعر بأنه عاش شيئاً ما من قبل.

 

وهذه هي الفكرة التي كانت تراود الكثيرين خلال فترة الحرب وظروفها، حيث فرضت ظروف كان الجميع يشعرون أنهم عاشوها من قبل، وهي ذاتها فكرة أن التاريخ يعيد نفسه بطرق مختلفة، وذلك من خلال فكرة أن هناك أشخاصاً عاشوا سياقات حروب، أو سياقات صعبة مشابهة، في أماكن أخرى. إنها حالة تصيب العقل بالتشوش، فلا يعود مدركاً هل هو يعيش اللحظة فعلياً أم أنه مجرد يستذكرها من ماضيه».

وأضافت: «الأعمال المقدمة في المعرض ليست أعمالاً جديدة، وإنما هي اختيارات محسوبة، فقد رأى القيّمون على المعرض أنه من المناسب البحث عن أعمال تستجيب لفكرة المعرض، وليس بالضرورة أن تكون معبرة عن الظرف المحدد الذي عشناه، بل وعن ظروف مشابهة سابقة، أو حتى أعمال تتقاطع مع فكرة المعرض عبر بوابة الخيال».

 

تاريخ الإمارات

ومن جهتها، تحدثت الفنانة التشكيلية فاطمة آل علي عن مشاركتها في المعرض، فأوضحت أنها تشارك بعمل أنجزته في العام 2024 في سياق مشاركتها في «أبو ظبي آرت»، لتسجل مشاركتها الثانية في الإمارات، بعد عدة مشاركات خارجية في هونغ كونغ ولندن وكوريا.

 

ولفتت إلى أنها تهتم في أعمالها بتناول تاريخ الإمارات في مرحلة ما قبل الاتحاد، وتركز على القصص التي يمكن أن تتوارثها الأجيال. وقالت: «استغرق مني إنجاز عملي نحو سبعة أشهر.

 

وذلك لأن العمل كان يتطلب الكثير من الأبحاث، التي كانت الجزء الأكبر من العمل، أنا من جيل يحتاج إلى التعرف على تاريخه وتاريخ بلاده، لذا أحب أن أقدم أعمال هذا التاريخ بقصصه، التي يمكن أن تجعلنا نحن أبناء الأجيال الجديدة أكثر قرباً من بلادنا وتاريخها، وتدفع كل واحد منا إلى القيام ببحثه الخاص في هذا المجال».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى