علوم

هل تصبح الحواسيب قادرة على التعلم والتذكر؟ ابتكار نانوي يحول الخيال إلى واقع

سمانيوز /متابعات /مرفت عبدالحميد

 

في خطوة علمية تقرّب الإلكترونيات من آليات عمل الدماغ البشري، نجح باحثون ألمان في تطوير مكوّن إلكتروني متناهي الصغر قادر على أداء ثلاث وظائف مختلفة، تشمل التحكم في تدفق التيار الكهربائي، وتخزين المعلومات، والاحتفاظ بآثار النشاط الكهربائي السابق، بما يتيح له التكيف مع الإشارات التي يتلقاها والتعلم منها.

 

وقد يفتح هذا الابتكار آفاقاً جديدة أمام تطوير جيل من الحواسيب المستوحاة من الدماغ، لا تكتفي بمعالجة البيانات، بل تستطيع أيضاً تخزين المعلومات والتكيف معها داخل المكوّن الإلكتروني نفسه، بعيداً عن البنية التقليدية للحواسيب التي تفصل بين وحدات المعالجة والذاكرة.

 

نماذج ضخمة

وتأتي هذه الخطوة في وقت يتزايد فيه استهلاك الطاقة لتشغيل أنظمة الذكاء الاصطناعي، خصوصاً خلال تدريب النماذج الضخمة، ما يدفع العلماء إلى البحث عن تصاميم إلكترونية أكثر كفاءة، تقلل حركة البيانات بين وحدات الحوسبة والتخزين، وتنجز مزيداً من العمليات باستخدام طاقة أقل.

 

خصائص كهربائية

وطوّر فريق بحثي من جامعة فورتسبورغ الألمانية، ضمن مجموعة التميز البحثي المشتركة بين جامعتي فورتسبورغ ودريسدن «ctd.qmat»، هذه المكوّنات بالاعتماد على مواد أكسيدية متقدمة تتميز بخصائص كهربائية قابلة للتعديل، ما يسمح بدمج وظائف متعددة في نظام مادي واحد.

 

ويعتمد الابتكار على الجمع بين مادتين هما ألومينات اللانثانوم (LaAlO₃) وتيتانات السترونشيوم (SrTiO₃)، وهما مادتان عازلتان للكهرباء كل على حدة، لكن عند وضعهما في تماس مباشر تتشكل بينهما طبقة فائقة الرقة موصلة للتيار الكهربائي، تُعرف باسم «غاز الإلكترونات شبه ثنائي الأبعاد».

 

وتتيح هذه الطبقة للإلكترونات الحركة عبر منطقة محصورة عند الحد الفاصل بين المادتين، فيما تمكن المعالجة الدقيقة لهذه الواجهة من إنشاء مسارات موصلة مجهرية تشبه الطرق السريعة للإلكترونات، يمكن التحكم في خصائصها الكهربائية.

 

تحفيز كهربائي

ومن خلال تطبيق إشارات كهربائية، يستطيع الباحثون إحداث حركة لذرات الأكسجين داخل البنية المادية، ما يؤدي إلى تغيير مقاومتها الكهربائية. وتتيح هذه التغيرات الاحتفاظ بآثار التحفيز الكهربائي السابق، بحيث يصبح بالإمكان تدريب المكوّن على الاستجابة لأنماط معينة من الإشارات.

 

وأظهر الباحثون أن المكوّن النانوي نفسه يمكن أن يؤدي وظائف ثلاثة عناصر إلكترونية مختلفة، وفقاً لطريقة توصيله كهربائياً.

 

تدفق التيار

وتتمثل الوظيفة الأولى في عمله بوصفه ترانزستوراً يتحكم في تدفق التيار الكهربائي، والثانية في أداء وظيفة «الميمريستور»، وهو عنصر يخزن المعلومات من خلال التغيرات في مقاومته الكهربائية، فيما تتمثل الثالثة في عمله كـ«الميمكاباسيتور»، الذي تتغير قدرته على تخزين الشحنة الكهربائية تبعاً لحالته الكهربائية السابقة.

 

وتكمن أهمية هذا التطور في إمكانية الجمع بين التحكم في التيار، والذاكرة، والاحتفاظ بآثار النشاط السابق ضمن مكوّن واحد متناهي الصغر، بدلاً من الاعتماد على عناصر منفصلة لكل وظيفة، وهو ما قد يسهم في تبسيط تصميم الدوائر الإلكترونية المخصصة لتشغيل الشبكات العصبية الاصطناعية.

 

وقال الباحث ما بعد الدكتوراه في كرسي الفيزياء التقنية بجامعة فورتسبورغ، سومين برادان، إن ما يجعل هذه المنصة واعدة هو قدرتها على تنفيذ وظائف إلكترونية مختلفة باستخدام النظام المادي نفسه، بما يقرب العلماء من تطوير أجهزة لا تكتفي بالحوسبة، بل تستطيع التعلم داخل المكوّن الإلكتروني وتخزين المعلومات بصورة مؤقتة.

 

ويستند هذا التوجه إلى مفهوم «الحوسبة المستوحاة من الدماغ»، الذي يسعى إلى محاكاة بعض آليات معالجة المعلومات والتعلم لدى الإنسان باستخدام الدوائر الإلكترونية.

 

وعلى عكس الحواسيب التقليدية التي تنقل البيانات باستمرار بين وحدات المعالجة والذاكرة، تحاول هذه التقنيات دمج الوظيفتين، إلى جانب القدرة على التكيف، داخل المكوّنات نفسها.

 

ويستفيد هذا النهج من إحدى الخصائص الأساسية للدماغ البشري، وهي المرونة العصبية، التي تمكّن الوصلات بين الخلايا العصبية من تغيير قوتها استجابة للإشارات المتكررة أو المكثفة، بما يساعد على التعلم وتكوين الذكريات.

 

خصائص الكترونية

وفي هذا السياق، أوضح رالف كلايسن، المتحدث باسم جامعة فورتسبورغ لدى مجموعة التميز البحثي «ctd.qmat» وأحد المشاركين في الدراسة، أن المواد الأكسيدية المعقدة تمثل مجالاً واعداً، نظراً إلى قدرتها على الجمع بين خصائص إلكترونية متعددة ضمن منصة مادية واحدة، وهو ما يجعلها مرشحة للإسهام في تطوير أجهزة حوسبة أكثر كفاءة في استهلاك الطاقة وقابلية للتكيف.

 

مستقبل واعد

ولا تقتصر التطبيقات المحتملة لهذه التقنية على الحوسبة والذكاء الاصطناعي، إذ قد تمتد مستقبلاً إلى الأجهزة الصحية القابلة للارتداء، التي يمكن تزويدها بمكوّنات إلكترونية قادرة على تحليل الإشارات الحيوية مباشرة، من دون الحاجة إلى وحدات معالجة منفصلة لكل مهمة.

 

ومن بين الاستخدامات التي يتصورها الباحثون تطوير مستشعرات ذكية تتكيف مع البيانات الواردة إليها، وتتابع مؤشرات مثل معدل ضربات القلب وضغط الدم ودرجة الحرارة ومستويات الأكسجين في الدم وسكر الدم، مع معالجة المعلومات محلياً داخل الجهاز.

 

وقد يساعد هذا الأسلوب على تقليل الطاقة المستهلكة في نقل البيانات إلى أنظمة خارجية، فضلاً عن تعزيز قدرة الأجهزة على التفاعل مع التغيرات في المؤشرات الحيوية.

 

ومع ذلك، لا تزال هذه التطبيقات في إطار الاحتمالات المستقبلية؛ إذ أثبتت الدراسة الوظائف الإلكترونية الأساسية للمكوّن، ولم تصل بعد إلى تطوير نظام ذكاء اصطناعي متكامل أو مستشعر طبي جاهز للاستخدام. ويتطلب الانتقال إلى التطبيقات العملية مزيداً من الأبحاث لاختبار كفاءة التقنية وموثوقيتها وقدرتها على العمل في ظروف الاستخدام الفعلي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى