ليالي المحروسة 14.

رواية بقلم: انديرا السالمي.
لم تكن رقية وبناتها بعيدات عما يجري في مدينتهم(الحوطة) من احداث سياسية اثّرت سلبا وايجابا بشكل مباشر او غير مباشر على الحياة الاجتماعية حينها،كيف لا تتأثر رقية بما يجري حولها وهي تلاحظ بقلق اهتمام اخيها صالح بالمتغيرات السياسية داخل لحج بل وتعدى اهتمامه الى ماهو خارج لحج.
كانت ترى بان لا شئ سيثني صالح العنيد عما يفكر ويتحدث فيه سوى الزواج والانشغال بحياة الاسرة ومتطلباتها،تحينت رقية مجيئ لحظات هدوء واسترخاء اخيها لتقتنصها وتكلم صالح بما يجول في خاطرها..
رقية: ألم يحن الوقت بعد يا صالح لنرى اولادك؟
لم يباغته السؤال،لطالما سُئل هذا السؤال من قبل من امه(ورد) او احدى اخواته،تنهد واعتدل في جلسته ولبس كوفيته قبل ان ينطق باجابة كان قد اعدها لكل من سيلقي عليه هذا السؤال
صالح: وأنتِ من لك ولبناتكِ؟
رقية: لاتقلق علينا،ثم انك لن تذهب بعيدا،قريتنا ليست بالبعيدة
صالح: لا استطيع ان اتخلى عنكم ومازلن البنات صغيرات
رقية: وهل ستضيع شبابك في انتظار ان يكبرن بناتي،يا صالح يا اخي… كل شباب قريتنا من هم في سنك بل من هم اصغر منك قد تزوجوا،بل ان اغلبهم لديهم بدل الطفل اطفال
صالح: ولكن….
قاطعته رقية :امي تريد ان تقر عينيها برؤية اولادك،لم يتبقى لها من العمر الكثير
احست رقية بقلب الاخت بل بقلب الام بان هناك حديثا اخر يدور بذهن صالح لم يجرؤ على البوح به.
مدت رقية يديها وتلمست بحنان كف اخيها وركّزت عينيها في عينيه الهاربتين منها الى الارض وبهتته بسؤالها:
اما زلت تجتمع باولئك الشباب
-اي شباب تقصدين؟!انا لا…..
قاطعته بحنان اكبر: صالح…. ماذا يعنيك من امرهم؟دعهم وشأنهم،ماذا يريدون منا؟من لحج؟اننا نعيش بسلام وامان لا نريد اكثر من ذلك
-الامر اكبر من هذا يا اخيتي،نريد الحرية…
-وما الحرية يا اخي غير انك تاكل وتشرب وتنام وتعمل بأمان
نظر اليها صالح بثبات وسحب كفيه من بين يديها الدافئتين: الحرية اكبر من هذا يا اختي،ستفهمين كل شئ في اوانه،ثم اردف قائلا: أعدك باني سافكر بأمر الزواج في اقرب وقت.
فهمت رقية انه يريد اغلاق باب النقاش معها عند هذه النقطة وما وعده الاخير الا هروبا انيقا منها
كانت رقية تعيش في فترة حكم السلاطين العبادلة الذين حكموا لحج وراثيا،اختلف السلاطين الذين تسلموا السلطة مابين مؤيد ومعارض ومحايد للتعامل مع الاستعمار البريطاني لعدن،وان كان اغلبهم عملوا على رفع مستوى لحج ثقافيا وسياسيا واجتماعيا واقتصاديا.
تأثر سكان لحج كباقي سكان عدن في خمسينيات القرن العشرين بخطابات جمال عبدالناصر والاغاني الثورية الصادرة عن اذاعة القاهرة،وكان حينها المد القومي العربي في اوجّه.
لم يكن صالح بعيدا عن هذا كله وكان(عبدالله) ابن اخته كريمة أشد الشباب تأثرا بخاله وبالمناخ العام في ذلك الوقت
كانت هناك عوامل كثيرة جعلت من صالح مثالا يحتدى به في التفكير السياسي لدى عبدالله الشاب المتوقد المتطلع للحرية كما يراها صالح ومن هم في سنه المتطلعون بشوق وحماس واهتمام واندفاع الشباب الى مايحصل في المستعمرة المجاورة لهم ومايحدث هناك في ذلك القطر العربي المصري العزيز عليهم.
كان لتقارب سنهما(صالح يكبر ابن اخته بخمس سنوات او اكثر قليلا) اثر بالغ على تقارب افكارهما وميولهما السياسية،كم جلسا يتسامران تحت سماء قريتهما وعلى ضوء القمر المنسل خلسةً وكانه يشاركهما الحديث…
عبدالله: هل صحيح ياخال ان السلطان فضل عبدالكريم رفض قبول مستشار بريطاني في سلطنته؟
صالح: نعم،سمعت انه برر ذلك بان المعاهدات المعقودة بين اسلافه والحكومة البريطانية لا تجيز ذلك.
عبدالله: سمعت ما هو ادهى من ذلك يا خال.
صالح: ماذا سمعت؟
عبدالله: سمعت من بعض شباب القرية انه تقدم بطلب باسم سلطنة لحج بطلب للجامعة العربية بقبولها عضوا فيها
صالح: نعم نعم ولكن مندوب المملكة المتوكلية عارض الطلب بحجة ان لحج محمية بريطانية
عبدالله: تبا،متى سنتخلص من هذا الاستعمار البغيض الكاتم على انفاسنا،(وتابع بحماس) الا يدركون اننا كعرب نرفض هذا الاستعمار انهم ينهبون خيراتنا وثرواتنا ويتجاهلون مطالبنا…
نظر اليه خاله بكل فخر وأمل،خاطبه وهو يحاول الابقاء على جذوة هذا الحماس بل وتأجيجه:
لن يبقوا كثيرا،هاهي مصر على فوهة بركان وهناك في الشمال ثوار يطالبون باسقاط حكم الامامة،الا ترى تزايد اعداد النازحين من الشمال مما سبب قلق للمستعمر،سينتهي الظلم لا محالة انا واثق من ذلك طالما والوطن يزخر بشباب يفدونه بارواحهم وبكل غالٍ ونفيس…
ازداد ضوء القمر نورا وتمايلت اغصان الشجر بقوة،يبدو ان الحماس والتوقد قد سرى من اعماقهما الى كل شئ يحيط بهما…
كانت الاحداث تتسارع في لحج وتلقي بظلالها على كل ساكنيها وكانت رقية واحدة من هؤلاء،كان كل مايهم رقية هو ان تمضي بها الحياة بهدوء وأمان،ان يكملن بناتها دراستهن وان يعملن ويعتمدن على انفسهن،ولكن هل سيكون المناخ مساعدا لكل ما تتمنى ام سيعترض القدر طريق احلامها البسيطة…
كان منزل رقية في قلب لحج لهذا كانت رقية تستقبل بكل حب وكرم رغم ضيق ذات اليد ابناء وبنات اخواتها او اقرباءها القادمين من القرية الى الحوطة اما لغرض البحث عن عمل او لغرض تلقي العلاج،كان المنزل مناسبا لاخذ قسط من الراحة فيه ريثما تخف حدة حرارة الشمس ومن ثم العودة بسلام للقرية.
تردد عبدالله على منزل خالته رقية كثيرا بحكم اهتمامه السياسي المشترك مع خاله صالح واصبح منزل رقية تُدار فيه النقاشات وتُناقش فيه الاتجاهات السياسية والثقافية الجديدة،كانت رقية تنصت اليهم تارة باهتمام وتارة بقلق،ما الذي يدعوهما الى الاهتمام بكل هذه الامور،لايزالان شابان في بداية حياتهما،اليس الاجدر بهما وخاصة(صالح) التفكير بالبحث عن زوجة له تؤنسه وتؤنس امه
يقطع حبل افكارها ارتفاع صوت صالح بالنقاش فجأة وهو يوضح لابن اخته ما استعصى عليه فهمه:
عبدالله: اياً كان السبب يا خال لا يحق للسلطان فضل ان يقطع حفل زواج اخيه،من العار ان يشهر سلاحه وسط الاحتفال ويطلق النار بين الضيوف
صالح: انه يشك باخيه بانه من المتآمرين ضده مع ابناء عمومته،على العموم حكومة عدن قررت استدعاءه الى عدن ليخضع للملاحظة الطبية ليتحقق مصيره
عبدالله: اتتوقع بانه سيوافق
اعتدل صالح في جلسته وبدا ساهما قلقا وهمس: يُقال بانه بادر الى الهرب الى تعز.
تأمل عبدالله مسحة القلق التي بدت على وجه خاله،ربما قوة علاقتهما جعلته يفهم خاله ومايعتمل داخله ومن مجرد النظر الى وجهه:
هذه الخطوة قد تكون آمنة له ولكنها ليست آمنة لنا ولا للحج بشكل عام،لابد وان تبعاتها ستكون خطيرة.
طوت لحج صفحة من صفحات أيامها التي لا يبدو انها ستكون من الان وصاعدا ايام رتيبة،يبدو ان القادم سيحمل معه احداث ستقلب حياة ساكنيها رأسا على عقب….
يتبع……
