«مدينة عين الخناس» قصة : مالك بلخياطي

سمانيوز/خاص
يحكى أن تاجرا مكسابا كان يجوب الأرجاء والمدن،يعرضتجارته من أقمشة ومواد تجميل وصنوف الطِّيب والعطور. صادف ذات يوم أن قاده مسلكه لمدينة يحيط بها العجبالعجاب، وهو يعبر بابها داخلا ، شدّت نظره وانتباهه عبارةكتبت عليه “نحن النتانة تبهجنا فمرحبا بك” فأجفل مستغربا :ياترى ما ذلك السرّ الذي يجعلهم يفتخرون بالنتانة…؟
فقرر استطلاعه..!
أدلف إلى داخلها وكلما توغّل بين زقاقها ازداد عجباً، كانتالقذارة تغطي المكان؛أبنيتها مطلية بالزبل وروث الحيوانات،طرقاتها من نتانة رائحتها كأنها شُطِفت بالبول، حتى ألبستهممصنوعة من القمامة، والغريب أنه كلما ازداد الشخص قذارةًإزداد افتخاراً في تبختره كأن ملبسه الدباج !
لم يستسغ الوضع ومايراه فسأل أحدَهم : لمَ أنتم قذرونهكذا وتفتخرون بقذارتكم…؟ ! فجاءه الرد، أصبغ وجهه لوناغير لونه : نحن قوم الدناءة لا نحب ما تسمونها النظافة، جُمِعفي نادينا الفسّاق، وحكمنا الجاهل والمرياع، لا يعلو صوت فيالمدينة إلا الفجور، والنّميمة طبع في سرائرنا عبر العصور …! سأله التاجر : وهل لكم تاريخ تفخرون به…؟ تهاوى جالساعلى صخرة جنبه واستطرد قائلا : أتسألني عن تاريخنا؟ !
أتعرف أنّ أوّل من حكَم رقابنا من حفدة القردة والخنازيروشيوخ مجالسنا كلهم من الشياطين .. إن لم يكن فاجراًيفسق يكن ظالما يفجر .. وكلّنا لبسنا القذر وخضعنا للقذر،ذاك هو تاريخنا الذي به نفتخر! ثمّ أردف قائلا : نحب رؤيةنسائنا عاريات كاسيات ، ونكره منا الغيور، نباهي بالدياثةونعتز بها والشريف من بيننا نبذناه ، ومنعنا عنه الزاد والأمان،يسيّر أمورنا اللصوص وإمامنا أخذ العلم عن إبليس ،ومدارسنا عن أطفالنا أبوابها مسدودة ومشافينا جُمعت فيهااللحود.
قال التاجر باستغراب : إن هذا والله لعجاب ومارأيت مثلكمقط..! ردّ عليه بعزة تكاد تكون فخرا : هذا منهاجُنا وشريعتناالتي نلتزم بتعاليمها. سأل التاجر محدّثه : اعذرني وهل يوجدبينكم الشريف والنظيف ومخالف شريعتكم؟
أجل هم شرذمة قليلة، خالفوا شريعتنا وعارضوا منهاجنا ،فنبذناهم وطردناهم من نادينا، هم من نتسلّى بغيبتهمونتضاحك على طهرهم وغيرتهم وعفّة نسائهم
– صدرت عن التاجر إيماءة ازدراء قوية – ثم قال : هلا أخبرتنيعن اسم هذه المدينة العجيبة؟ أومأ برأسه وقال : إنها مدينةعين الخنافس…! نهض الغريب وأصلح ذات نفسه مغادراوهو يتمتم : مدينة من خبثها يسكنها الشيطان حرام أن أبيتفيها! وخرج من المدينة دون أن يبيع شيئاً، فهي مدينةالخبث والخبائث، تدخلها بدعاء وتخرج منها باستغفار !
تلك هي تل أبيب…!
