آراء جنوبية

مقتطفات من الإجازة 4 .. التجربة الفلسانية

سمير المحمدي

سمير المحمدي

كاتب وناشط جنوبي
قرية فلسان أو كما يحلو للبعض تسميتها بقرية عنب ، للوهلة الأولى عند دخول أي شخص إليها يخيل إليه أنه في منطقة خارج اليمن بل في جزيرة مستقلة إقتصادياً وأجتماعياً وثقافياً وحتى سياسياً ، لما فيها من أشياء جميلة تلفت نظر كل من زارها بدءاً بموقعها الجغرافي الجميل الذي يتوسط مكتب السعدي مروراً بالمباني والقصور الرائعة المنتشرة في محيط ووسط القرية وإنتهاءاً بالمدرجات الزراعية المنتشرة في وسط المنطقة وفي بطون الجبال المحيطة بها ، وحتى في الجانب الرياضي والثقافي تعتبر منطقة فلسان من أفضل المناطق ليس في السعدي فحسب بل في يافع بشكل عام وسأختصر حديثي في هذا المنشور عن موضوع محدد ستعرفونه لاحقاً لأن الحديث عن كل شيء في هذه القرية الجميلة والجميل أهلها يحتاج إلى مجلدات وليس منشور عابر أو حتى مجلد كامل .
فعلى هامش حضوري زواج إبن خالتي الشاب الخلوق المهندس / عبدالله زيد محمد بن جرهوم أنتهز الفرصة لأبارك له بزواجه الميمون وأتمنى له حياة زوجية سعيدة وبالرفاه والبنين ( بارك الله لهما وبارك عليهما وجمع بينهما في خير ) ..
على هامش ذلك الزواج الميمون جلست مع مجموعة من الشخصيات الإعتبارية في قرية عنب وفي سياق الحديث المعتاد في المجالس اليافعية لفت نظري تركيز الحاضرين على وثيقة تم التوقيع عليها من قبل جميع أهالي قرية فلسان دون إستثناء هذه الوثيقة استطيع تسميتها ب ( وثيقة العهد والإتفاق الفلسانية ) وثيقة ليست كوثيقة أطراف الوحدة اليمنية التي وقعت في الأردن قبل أن يتم نقضها بعد أقل من أسبوع من توقيعها ، فالوثيقة الفلسانية ليست كذلك فلم يوقعها ساسة خبثاء بل وقعها رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ، لذلك من الصعب نقضها فمنذ توقيعها منذ أكثر من عام لم يتم نقضها من قبل أي من الأهالي بل تجاوزوا ذلك وأصبح يطبقها الشخص المخالف وهو راضٍ ومبتسم فيدفع ماعليه من غرامة جزائية بإبتسامة وبصدر رحب ودون أية مشاكل تذكر .
إليكم بعض بنود تلك الوثيقة التي جاءت لتنظم حياة الناس في الأفراح والأتراح وممكن الإستفادة منها وتعميمها على جميع مناطق يافع الأخرى بل على جميع مناطق الجنوب إن وجدت هناك عزيمة وإصرار لدى سكان تلك المناطق
البند الأول : تنظيم عملية إطلاق النار ( الرصاص الحي ) ..
أولاً : يمنع منعاً باتاً إطلاق الرصاص الحي بعد منتصف الليل لأي سببٍ كان وسواء كان ( ربد ) أو طلقات منفردة ( حبة حبة ) سواء كان للجبال المحيطة أو بشكل عشوائي في الهواء .
ثانياً : يمنع منعاً باتاً إطلاق النار ( الرصاص الحي )بشكل متواصل ( ربد ) سواءاً إلى الجبال المحيطة أو بشكل عشوائي في الهواء سواء كان في الليلة أو في النهار
#ملاحظة :
إن كان ولابد من إطلاق النار في أي مناسبة تحدد أهداف معينة في الجبال المحيطة بالمنطقة يتم إستهدافها أثناء إطلاق النار ، وهذين البندين هما أهم بندين في الوثيقة لأنه بسبب الضرب العشوائي إزهقت أرواح أناس أبرياء في عدة مناطق وحتى في المدن الكبرى مثل عدن وغيرها ..
البند الثاني : معالجة قضية إرتفاع المهور ..
فبعد إرتفاع المهور بشكل جنوني في الفترة الأخيرة وفي أغلب المناطق بسبب عدم وجود ضوابط تنظم هذه العملية فقد إتفق أهالي منطقة فلسان على تحديد مهر معين للزيجات المحلية التي تتم داخل القرية ( أي عندما يكون العريس والعروسة من داخل قرية فلسان )
وحددوا المهر بمبلغ وقدرة مائتان ألف ريال يمني ( 200،000 ريال يمني ) فقط ويمنع منعاً باتاً تجاوز هذا المبلغ تحت أي مبرر كان
البند الثالث : تخفيض تكاليف الزواج الأخرى ..
أولاً : العزائم من لحوم وغيرها ..
كان في السابق يكلف صاحب المناسبة ( سواءاً فرح أو عزاء ) فوق طاقته من العزائم فتكون العزائم في المناسبة الواحدة عدة أيام يحضر خلالها جميع أفراد المنطقة بالإضافة إلى عدد كبير من الضيوف من المناطق الأخرى وبدلاً من ذبح غنمة أو غنمتين أو رأس بقر واحد أو رأسين يتكلف البعض فوق طاقته وقد تصل الذبائح في بعض المناسبات إلى عشرة رؤوس من الأبقار بتكلفة تفوق الثلاثة ملايين ريال يمني ( 3،000،000 ريال يمني ) قيمة اللحوم فقط وهو مالا طاقة للكثير من الأسر به لذلك تقرر تحديد العزومة العامة ليوم واحد فقط وباقي الأيام يحضرها بعض الأقارب بالإضافة إلى الضيوف الآتين من خارج المنطقة .
ثانياً : اللحقة بعد العروسة ..
في السابق كان يلحق بعد العروسة التي تتزوج من فلسان إلى خارجه أغلب أهل القرية مما يتكلف الطرف الآخر في القرية الأخرى تكاليف باهضة جداً ، وقد تقرر في الوثيقة أن يلحق بعد العروسة مجموعة قليلة من المقربين وبهذا إنخفضت التكاليف إلى أدنى حد
ثالثاً : تكاليف التخزينة ( القات ) ..
كان يكلف صاحب المناسبة بتخزين كل أفراد المنطقة بالإضافة إلى الضيوف الحاضرين من خارج المنطقة وقد تصل في بعض الأحيان إلى أكثر من خمسمائة رطل من القات يصل سعرها الى المليون ونصف المليون ريال يمني ( 1،500،000 ) ريال يمني تكاليف القات فقط وبعد توقيع الوثيقة تقرر أن يتكفل صاحب المناسبة بتخزين الأقارب والضيوف الخارجيين فقط ، أما بقية سكان القرية كل شخص يحضر قاته معه .
البند الرابع : الجزاءات والغرامات ..
من المعروف أن أي وثيقة أو قانون يسن يجب أن ترافقه غرامات وجزاءات وعقوبات تطبق على المخالفين لتلك الوثيقة أو القانون وهذه الجزاءات هي مصدر قوة أي قانون أو وثيقة لذلك تقرر أن أي شخص يخالف أي بند من البنود أعلاه فأنه يغرَّم صاحب العرس أو المناسبة مائتا دولار ( 200 دولار ) عن كل مخالفة ، ومن يمتنع عن أداء الغرامة المستحقة عليه تم فرض عقوبة تعزيرية تتمثل بمقاطعة ذلك الشخص من قبل جميع الأهالي فلا يحضرون له أي مناسبة سواءاً فرح أو حزن حتى يعود إلى رشده ويؤدي ماعليه ويلتزم بقوانين المنطقة ويسير وفق الأجماع المتفق عليه من الأهالي
وهناك مسئولية كبيرة تقع على عاتق صاحب المناسبة فهو مسئول عن إيضاح ماجاء بالوثيقة للضيوف القادمين من خارج المنطقة حتى لا يخالفها أحد منهم بسبب جهله وعدم علمه بما جاء فيها ، وبما أن المناسبة التي حضرتها تمت في يوم جمعة فقد قام أحد أهالي المنطقة مشكوراً بتوضيح ذلك أمام الملا بعد صلاة الجمعة مباشرة فأقام بذلك الحجة على جميع الحاضرين
#أخيراً :
بعد الإطلاع على وثيقة العهد والإتفاق الفلسانية أرى أنه يجب تعميمها على كل مناطق يافع أولاً ثم بقية مناطق الجنوب ، فبما أنها نجحت في قرية فلسان فمن السهل تعميمها في القرى الأخرى .. لماذا !؟
لأن قرية فلسان تعتبر من المناطق الثرية فجزء كبير من اهلها أثرياء بسبب وجود عدد كبير منهم في امريكا كمغتربين فنجاح تطبيق مثل هذه الوثيقة في منطقة جل سكانها ميسوري الحال يشجع بقية المناطق الأخرى على تطبيقها فهي أسهل وأولى بتطبيقها من غيرها
ومن صفحتي المتواضعة هذه وبإسمي وبإسم جميع الأصدقاء والمتابعين أتوجه بالشكر لجميع أهالي قرية فلسان على تبني هذه الوثيقة وأتمنى لهم التوفيق والثبات على مبادئها وقراراتها وأسأل الله ان يجزيهم خير الجزاء لأنهم سنّوا سنة حسنة لبقية المناطق فلهم أجر من عمل بهذه الوثيقة فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحة : ( من سنّ في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها من بعده لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً .. ) الحديث .
#سمير_المحمدي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى