ليست كل الأصوات أوطاناً..!

كتب: ماهر العبادي
في اللحظات المصيرية من تاريخ الشعب الجنوبي لا تتغير الأحداث فحسب، بل تتكشف الحقائق أيضاً، وتسقط الأقنعة التي طالما أخفت الوجوه الحقيقية.
وفي هذه المرحلة المفصلية التي يمر بها جنوبنا الحبيب، وقبل أن يصل قطار القضية إلى محطاته الحاسمة، بدأت عملية الفرز الكبرى التي لا ترحم أحداً، فتهاوى المترددون عند أول اختبار، وتساقط الرعاديد على جنبات الطريق بعدما أثقلتهم حسابات المصالح والخوف من التضحيات.
ومع هذه التحولات ظهرت وجوه لم يكن همها الوطن يوماً، بل كانت تنتظر اللحظة المناسبة لتعرض نفسها في سوق العرض والطلب، تساوم على المواقف وتساوم على المبادئ وتبيع الشعارات التي كانت ترفعها بالأمس مقابل مكاسب أو مصالح شخصية ضيقة. فخرج بائعو الوطن من أوكارهم، وكشفت الأيام أن بعض الأصوات التي كانت تتحدث باسم الجماهير لم تكن سوى أصوات تبحث عن نصيبها من الغنيمة، وأن بعض من ادعوا النضال لم يكونوا سوى تجار أزمات يحسنون استثمار معاناة الناس لتحقيق مصالحهم الخاصة.
كما برز الانتهازيون الذين يتقنون تغيير جلودهم مع كل مرحلة، فلا عهد يربطهم ولا مبدأ يحكمهم ولا قضية يحملونها بإخلاص. تراهم اليوم في صف، وغداً في صف آخر، يدورون حيث تدور مصالحهم، ويغيرون مواقفهم كما تتغير اتجاهات الرياح، غير مدركين أن الشعب قد ينخدع لبعض الوقت لكنه لا ينسى من وقف معه ومن تخلى عنه ساعة الشدة.
وظهر كذلك أبطال العالم الافتراضي الذين ملأوا الفضاء ضجيجاً وخطباً وشعارات، حتى ظن البعض أنهم صناع الأحداث وحملة القضايا، لكنهم عند لحظة الفعل الحقيقي تراجعوا إلى الخلف، واكتفوا بدور المتفرج والناقد والمحبط.
فليس كل من رفع صوته أصبح مناضلاً ياناس، وليس كل من أتقن الكتابة على الشاشات قادراً على الصمود في ميادين التحدي.
فالتاريخ لا يكتبه أصحاب الضجيج، بل يكتبه أصحاب المواقف الذين يدفعون أثمان قناعاتهم بصبر وثبات.
إن المراحل العظيمة لا تصنع الرجال فحسب، بل تكشفهم أيضاً وهي اللحظات التي تميز بين من يحمل القضية في قلبه وبين من يحملها في جيبه، وبين من يرى الوطن رسالة مقدسة وبين من يراه سلعة قابلة للبيع والمساومة. وفي كل منعطف تاريخي يبقى المخلصون ثابتين كالجبال، بينما تتناثر حولهم أوراق المتسلقين والانتهازيين كما تتناثر أوراق الخريف أمام أول عاصفة.
وسيمضي جنوبنا بإرادة أبنائه الأوفياء، وستبقى القضايا العادلة أقوى من المؤامرات وأبقى من المصالح .
أما الذين باعوا مواقفهم أو راهنوا على سقوط الإرادة الشعبية، فلن يحصدوا في نهاية المطاف سوى الخيبة، والتاريخ لا يخلد إلا أصحاب المواقف الشريفة، أما تجار المراحل وباعة الأوطان فلا يترك لهم سوى صفحات سوداء يطويها النسيان.
