“الجنوب ليس للبيع” قراءة في الاستراتيجية المأزومة وتفكيك المشهد الجنوبي

كتب: وليد الجعشاني
في المشهد السياسي المعقد للمناطق المحررة، يزداد التوجس الشعبي والنخبوي من طبيعة الدور الذي تلعبه المملكة العربية السعودية في إدارة الملفات الحيوية. وتحت لافتة “دعم الشرعية” و”إعادة الاستقرار”، يرى الكثير من المراقبين والشارع الجنوبي أن السياسات الراهنة باتت تقترب أكثر من فرض “وصاية كاملة” لا تأخذ في الاعتبار تطلعات الشعب، بل تسير وفق استراتيجية قد تقود المنطقة برمتها إلى حافة الفشل والانفجار.
سياسة التفريخ وبناء “الكيانات الموازية”
أبرز ملامح السياسة الراهنة تتبلور في السعي الحثيث لإنشاء وتفريخ كيانات سياسية وقوى عسكرية وأمنية جديدة. هذه القوى لا تنبع من الحاضنة الشعبية للجنوب، بل تُولد في غرف القرار المغلقة وتتلقى توجيهاتها وتمويلها بشكل مباشر، مما يجعل “الولاء المطلق” للجهة المموّلة هو المحرك الأساسي لها، وليس الإرادة الشعبية.
الهدف من هذه الكيانات: خلق توازن قوى اصطناعي يهدف إلى إضعاف المكونات الحقيقية المتجذرة على الأرض، وإشغال الجنوبيين بصراعات داخلية بين “الإخوة الأعداء”، مما يضمن بقاء خيوط اللعبة كاملة بيد الأطراف الخارجية.
لا تقتصر الاستراتيجية المأزومة على الجانب العسكري؛ بل تمتد إلى ما يصفه الشارع بـ”التدمير الممنهج بشتى الوسائل”. ويتجلى ذلك في حرب الخدمات: ترك الحاضنة الشعبية تعاني من انهيار كارثي في منظومة الكهرباء والمياه والصحة.
الانهيار الاقتصادي: تدهور العملة المحلية وفقدان قيمتها الشرائية وسط غياب أي تدخلات إنقاذية حقيقية لانتشال الوضع.
صناعة الأزمات: استخدام الملف الاقتصادي والمعيشي كورقة ضغط سياسية لتركيع الشارع وإشغاله بلقمة عيشه عن تطلعاته السياسية الكبرى.
الاستماع لصدى الصوت.. وتجاهل نبض الشارع ان الخطأ الاستراتيجي الأكبر الذي تقع فيه إدارة الملف السياسي هو إغلاق الآذان أمام صوت الشعب الجنوبي الحقيقي، والاستماع فقط للتقارير المرفوعة من قوى مصطنعة لا تملك رصيداً على الأرض. إن محاولة فرض الوصاية وتجاوز الحقائق الجيوسياسية في الجنوب لن تصنع استقراراً مستداماً، بل تؤسس لدورات عنف قادمة قد تنسف كل ما تم تحقيقه من انتصارات ضد المد الإيراني.
إن الرهان على تعب الشارع أو إضعافه عبر الأزمات المفتعلة هو رهان خاسر؛ فالتاريخ أثبت أن الإرادة الشعبية في الجنوب لا يمكن تجاوزها أو شراؤها بالمال السياسي. وإذا ما أرادت المملكة العربية السعودية لجهودها أن تنجح وللمنطقة أن تستقر، فإن عليها مراجعة أدواتها الحالية، والتوقف عن سياسة فرض الكيانات، والبدء في الاستماع الحقيقي لنبض الشارع الجنوبي وقواه الفاعلة، فالجنوب كان وسيبقى لأبنائه، وهو “ليس للبيع” أو المساومة في سوق الحسابات الإقليمية الضيقة.
