معرض الخزف المعاصر”.. فنون الشرق الأوسط في متحف بريطاني

سمانيوز / آداب وثقافة
يعود المتحف البريطاني الشهير ” فيكتوريا وألبرت” لفتح أبوابه أمام الزوار، بعد عام من الإغلاق بسبب تفشي وباء كورونا، بسلسلة معارض متميزة يأتي أحدها تحت عنوان “فن الخزف المعاصر بالشرق الأوسط”.
فن الخزف المعاصر
ويجمع المعرض، لأول مرة، فنانين معاصرين من الشرق الأوسط وشمال إفريقيا متخصصين في أعمال الخزف والصلصال، وبحسب الموقع الرسمي للمتحف، فإن هذا المعرض يعكس ثراء وإبداع الإنتاج الخزفي الحالي في المنطقة العربية.
ويقدم المعرض عدداً من الأعمال المتنوعة، ومنها قطعة من مجموعة “عمارة الظل والنور” للفنان التشكيلي التونسي خالد بن سليمان، ومزهرية من مجموعة “عين على الجميع” للفنانة اللبنانية ناتالي خياط، ولوحة مكونة من 5 بلاطات من مجموعة “كاشي وكاشان” للفنان الإيراني عباس أكيري.
وتشمل المعروضات أيضاً عملاً بعنوان: “الدائرة المزدوجة” للفنان التشكيلي المصري إبراهيم سعيد، وعملين للفنان المصري ضياء الدين داوود، وغيرها من المقتنيات التي يتم عرضها في قاعة ثابتة بالمتحف.
ويضم متحف “فيكتوريا وألبرت” كماً ضخماً لقطع تاريخية قديمة، ولكن هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها تنظيم معرض قائم على فكرة الحداثة، من خلال رؤية الخزف في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
ويهدف المعرض لمعرفة تطور الجيل الحالي من الشرق الأوسط في رؤيته لاستخدام التقنيات الخزفية التي اتبعها الأجداد، من خلال استحداث وتطوير التقنية أو “المُعاصرة”، وطرح تساؤلات عن الربط بين حرفة الأجداد والأبناء والتطور.
الحرفة والمعاصرة
تنظيم المعرض المذكور كان مختلفاً عن غيره، إذ استغرقت المنسقة مريم روسر أوين مديرة قسم الشرق الأوسط في المتحف، وصاحبة فكرة المعرض، قرابة 4 سنوات للتحضير له، وقامت خلالها بدراسات ميدانية في الدول المعنية لاختيار القطع التي تخدم فكرة المعرض، وضمها إلى المتحف باعتبارها “مقتنيات” عن الخزف المعاصر وليست للعرض فقط.
وتم اختيار الأعمال الخزفية انطلاقاً من مبدأ مرتبط بـ”الحرفة والمُعاصرة”، مع عرضها في قاعة ثابتة داخل المتحف. واتبعت اللجنة خطة لتحقيق التنوع، خصوصاً أن المعرض مبني على فكرة الهوية والتراث والحرفة والتقنية والمُعاصرة، وتحقق ذلك من خلال اختيار الفنانين والأعمال الفنية المشاركة، إذ شارك 4 فنانين تشكيليين مصريين، هم: إبراهيم سعيد، ضياء الدين داوود، محمد مندور وإبراهيم سمير، ويمثل كل واحد منهم اتجاهاً محدداً في فن الخزف المعاصر.
ووقع الاختيار على إبراهيم سمير لارتباطه بتحقيق فكرة الحرفية، نظراً لأنه حرفي موهوب بالفطرة، وتجسد أعماله البيئة المصرية، حيث يعيش في قرية “تونس” بالفيوم. واختار فريق المتحف طبقاً من تنفيذه يجسد العادات الشعبية، كما تم اختيار طبق خزفي يجسد أهمية الطائر في الفن الإسلامي للفنان محمد مندور، وهو محور مهم عن رمزية الطائر وارتباطه بعقيدة المسلم.
“البريق”
وشمل الاختيار أيضاً، أعمالاً بالتقنية ذاتها، تتناول فكرة مختلفة، ومنها اقتناء المتحف لقطعتين باستخدام تقنية “البريق المعدني” المعروفة بـ (الريداكشن)، للفنان التشكيلي المصري ضياء الدين داوود والفنان التشكيلي الإيراني عباس أكيري، إذ يستخدم كلاهما التقنية القديمة ذاتها ولكن بطريقة معالجة مختلفة.
وقال الفنان التشكيلي ضياء الدين داوود لـ”الشرق”: “تناولت الفكرة عن طريق الاختزال والألوان التي تتحكم بها، وجاء اختيار المتحف لعمل عباس نظراً لتنفيذه التقنية بالطريقة القديمة ذاتها. أما عملي، فتم من خلال استخدمها بطريقة معاصرة، كأنها عقد مقارنة بين التقنية القديمة والمطورة”.
وتابع داوود: “تجسد أعمالي تقنية البريق والتي من خلالها تتم عملية إعادة صياغة للتقنية الإسلامية التي لم تظهر في الشرق الأقصى، وما زالت محل دراسة لمعرفة مكان بدايتها سواء في مصر أو العراق أو سوريا”.
تجدر الإشارة إلى أن الفكرة التي ينفذها الفنانان المصري والإيراني في أعمالهما، قائمة على مبدأ فلسفي وهو التحايل على “تحريم الفضة والذهب في تناول الطعام”، من خلال استخدام خامات اخرى أو باستخدام لون الذهب ذاته، وهي تقنية قديمة كانت تستخدم قديماً لأواني الأغنياء فقط، خصوصاً أن استخدام الذهب يتسم بجانب فلسفي لارتباطه بالشمس وفكرة السمو والصعود إلى أعلى.
وتتناول اللوحة التجريبية والتعبيرية، الفكرة المستوحاة من الطبيعة في واحة سيوة مثل الصحراء والسماء والبحيرات أو العيون الصغيرة، بجانب الملابس الأمازيغية للسيدات وخلط لفكرة الملابس مع الطبيعة. وأشار داوود إلى أن “هذه التجربة بدأت منذ عام 2012 واستمرت حتى عام 2018، وقام المتحف باقتناء العمل في ذلك العام”.
ويجسد العمل الثاني لداوود، فكرة تطوير “التقنية” برؤية معاصرة من خلال استخدام الدخان الأسود في تغيير صورة اللون العادي، وهو عمل مكون من بلاطات لوحية بتقنية الاختزال المعدني وفكرة التناغم والمعالجة للتشكيل باستخدام”تأثيرات” بأداة على سطح ناعم، وترتبط الفكرة نفسها بنسيج القماش.
“شبابيك القلل”
جاءت بداية الفكرة لتنظيم المعرض واقتناء الأعمال المعاصرة، بعد مشاهدة مريم أوسر أوين لأعمال الفنان التشكيلي المصري إبراهيم سعيد، إذ حرصت على اقتناء المتحف بعضاً منها قبل 8 أعوام، ومنذ ذلك الوقت لم يفارق ذهنها تنفيذ الفكرة.
وحرص فريق المعرض على اقتناء قطعتين لإبراهيم سعيد، تتسم بأنها مستوحاة من الخزف الفرعوني والإسلامي، وقال سعيد لـ”الشرق” إن “سر اقتناء المتحف لأعمالي يعود لكونها مستوحاة من فكرة شبابيك القلل السائدة في العصر المملوكي والفاطمي، تحديداً من منطقة الفسطاط بمصر القديمة”.
وأضاف: “بدأت أفكر في الدائرة باعتبارها أساس كل الأشكال الهندسية وتماس الدوائر معاً، وما ينتج عنه من أشكال فريدة، واستخدمت الفكرة للربط بين المعتقدات المصرية ذات الخلفية الإسلامية والخزف المعاصر”.
واقتنى المتحف البريطاني القطعتين “الدائرة المزدوجة” المستوحاة من إبريق فرعوني روماني و”الدائرة العالقة” المستوحاة من “عروسة المولد” في عام 2013، وكانا سبباً في شغف المنسقة بأعمال الخزف في الشرق الأوسط. وقالت مريم روسر أوين إن أعمال سعيد جعلتها تنظر لفنون الشرق الأوسط، قامت بعدها بجولة في المنطقة العربية جعلتها تجازف بفكرة وتنظيم المعرض لاقتناء أعمال حديثة.
وتتميز الأعمال الخزفية التي تحمل تسمية “شبابيك القلة”، بالزخارف الهندسية والنباتية والحيوانية وفكرة الجمال الخفي، وهي تتسم بعلاقة مع المغزى الديني والثقافة المصرية القديمة.
