أخبار دولية

كيف أصبح كير ستارمر ضحية الحذر وتجنب المخاطرة؟

سمانيوز/ متابعات /البيان

 

أعلن رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر استقالته بعد أقل من عامين على دخوله داونينغ ستريت، في نهاية سريعة وغير متوقعة لتجربة سياسية بدأت بفوز انتخابي كاسح لحزب العمال، وانتهت بأزمة قيادة داخل الحزب، وتراجع في الشعبية، وشكوك متزايدة حول قدرة الحكومة على تقديم مشروع واضح للبلاد.

 

 

وبحسب تقرير لصحيفة فايننشال تايمز، لم يكن سقوط ستارمر نتيجة أزمة واحدة، بل حصيلة تراكم طويل من الحذر السياسي، وغياب الرؤية، والتراجع عن الوعود، وضعف القدرة على تحويل الفوز الانتخابي إلى برنامج حكم مقنع. فقد وصل زعيم حزب العمال إلى السلطة بوعد أساسي: إنهاء سنوات الاضطراب التي رافقت حكم المحافظين، واستعادة الكفاءة إلى مؤسسات الدولة بعد سنوات من الانقسام حول بريكست والصراعات الداخلية في حزب المحافظين.

كان ستارمر قد دخل السياسة متأخراً، بعد مسيرة قانونية ناجحة، شغل خلالها منصب كبير المدعين العامين في إنجلترا وويلز. وقدّم نفسه للناخبين بوصفه إدارياً متمرساً، قادراً على إعادة الانضباط والكفاءة إلى الحكم. وفي أول خطاب له بعد وصوله إلى رئاسة الحكومة في 5 يوليو 2024، تعهد بسياسة «تطأ بخفة أكبر على حياة الناس». لكن استقالته السريعة، وتحوله إلى أقصر رؤساء وزراء حزب العمال بقاءً في المنصب، مثّلا إخفاقاً واضحاً في الوفاء بذلك التعهد.

وتشير الصحيفة إلى أن شعبية ستارمر تضررت في وقت مبكر، بداية من الجدل حول تبرعات شملت ملابس وتذاكر فعاليات، ثم بصورة أعمق بعد قراره خفض مدفوعات وقود الشتاء للمتقاعدين. وزادت الضغوط عليه مع تصاعد غضب الناخبين من ملفات الهجرة، والخدمات العامة، والاقتصاد، إلى جانب فضيحة تعيين اللورد بيتر ماندلسون سفيراً لبريطانيا في واشنطن، وهي خطوة عُدّت مؤشراً على ضعف آلية اتخاذ القرار داخل الحكومة.

غير أن جوهر الأزمة، وفق منتقديه، كان أعمق من تلك الأخطاء. فقد رأى كثيرون أن ستارمر، رغم حديثه المتكرر عن «المهام» و«المحطات» و«الأسس»، لم ينجح في تقديم أجندة سياسية واضحة ومقنعة. وقال بن أنسيل، أستاذ السياسة في جامعة أكسفورد، إن ما أطاح بستارمر كان «أولاً وقبل كل شيء فشلاً في القيادة»، مشيراً إلى أنه تجنب «المراهنات الكبرى» في ملفات حساسة مثل الضرائب والهجرة والرعاية الاجتماعية.

واعتمد ستارمر قبل الانتخابات استراتيجية شديدة الحذر، وصفت باستراتيجية «مزهرية مينغ»، تقوم على الوصول إلى انتخابات 2024 من دون أخطاء قد تصرف الانتباه عن تراجع شعبية المحافظين. وقد ساعدته هذه المقاربة على الفوز، لكنها تحولت بعد وصوله إلى الحكم إلى نقطة ضعف. فالحكومة، بحسب التقرير، بدت كأنها جاءت إلى السلطة من دون برنامج واضح أو «نظرية للتغيير»، وظن فريقها أن مجرد تغيير الأشخاص في القمة سيكون كافياً لحل مشكلات الدولة.

وسرعان ما اصطدمت هذه المقاربة بالواقع المالي والاقتصادي. فقد تعهد حزب العمال في برنامجه الانتخابي بعدم رفع ضريبة الدخل أو ضريبة القيمة المضافة أو التأمين الوطني، لكن وزيرة الخزانة رايتشل ريفز رفعت مساهمات التأمين الوطني على أصحاب العمل في أول ميزانية لها، في خطوة قيل إنها ضرورية لمعالجة «ثقب أسود» في المالية العامة. وأدى هذا التراجع عن التعهد الضريبي إلى غضب قطاع الأعمال، كما أضيف إلى سلسلة من التراجعات الأخرى في ملفات وقود الشتاء والرعاية الاجتماعية، بما عزز الشكوك في تقدير ستارمر السياسي.

على مستوى الحزب، لم ينجح ستارمر في تثبيت قاعدة سياسية صلبة حوله. فاليسار العمالي لم ير فيه واحداً منه، بعدما تخلى عن تعهدات حملته لزعامة الحزب، مثل رفع ضريبة الدخل، وإلغاء الرسوم الجامعية، وتأميم الطاقة والمياه، واتجه نحو سياسات أكثر وسطية تحت تأثير مستشاره مورغان ماكسويني. كما أن خطابه المتشدد بشأن الهجرة دفع قطاعات من الناخبين اليساريين في المدن إلى التوجه نحو حزب الخضر، بينما بدأت قطاعات أخرى من الناخبين تنجذب يميناً نحو حزب «ريفورم يو كيه».

ورغم أن ستارمر حقق نجاحاً نسبياً في معالجة أزمة معاداة السامية داخل حزب العمال، فإن ذلك لم يكن كافياً لحماية قيادته. فقد كان حتى بعض مؤيديه غير واثقين مما سيفعله حزب العمال في الحكم، ثم جاءت تجربة السلطة لتؤكد هذا الغموض. ونقلت الصحيفة عن شخص عمل معه قوله إن ستارمر لم يكن يملك دافعاً واضحاً نحو التنفيذ، وكان يتعامل مع الإنجاز كما لو أنه «وظيفة شخص آخر».

وزادت أزمة القيادة داخل الحكومة مع اعتماد ستارمر على دائرة ضيقة من المستشارين والوجوه المرتبطة بمركز «ليبر توغيذر» أو بإرث «العمال الجدد»، في ظل افتقاره إلى جماعة سياسية خاصة به. ثم لجأ إلى تغيير عدد من كبار المسؤولين والمساعدين، بينهم ماكسويني والبارونة سو غراي والسير كريس وورمالد، من دون أن ينجح ذلك في تحسين وضعه أو استعادة ثقة الحزب.

وبعد نتائج سيئة لحزب العمال في انتخابات مايو المحلية وانتخابات الهيئات المفوضة، بدأ عدد متزايد من النواب يقتنع بأن بقاء ستارمر أصبح عبئاً على الحزب. وقد ظل في منصبه لفترة بسبب غياب التوافق على خليفة واضح، قبل أن يتغير الموقف مع صعود آندي بيرنهام، عمدة مانشستر الكبرى، بوصفه البديل الأقوى. وحُسمت المعادلة عندما فاز بيرنهام في انتخابات ميكرفيلد الفرعية، بعد استقالة جوش سايمونز من مقعده لفتح طريق عودته إلى البرلمان.

وخلال تلك الفترة، فشل ستارمر في إقناع نواب حزبه بالتمسك به. كما أن استقالة وزير الدفاع جون هيلي، على خلفية خلاف بشأن تمويل الجيش، أضعفت حجته الأخيرة حول الحاجة إلى الاستقرار في عالم مضطرب. وعندما بدأ أعضاء في حكومته نفسها يلمحون إلى تأييدهم لرحيله، أدرك ستارمر أنه وصل إلى نهاية الطريق.

وتضع استقالة ستارمر حزب العمال أمام اختبار صعب. فالحزب الذي انتُخب على وعد التغيير يجد نفسه الآن مضطراً إلى خوض نقاش كان يفترض أن يجري في المعارضة: ما غاية حزب العمال في الحكم؟ وما المشروع الذي يريد تقديمه للبلاد؟ ويأتي هذا النقاش في لحظة مالية حساسة، مع ارتفاع كلفة الاقتراض في بريطانيا، وقلق الأسواق من مطالب زيادة الإنفاق، واتساع انجذاب الناخبين إلى بدائل أكثر حدة على اليمين واليسار.

وفي خلاصة لافتة، قال هاري كويلتر-بينر، مدير مركز «آي بي بي آر» ذي الميول اليسارية، إن السياسة الوسطية والليبرالية والسائدة تبدو اليوم في «الفرصة الأخيرة». فقد انتخب حزب العمال على وعد بالتغيير، وقدم ستارمر نفسه باعتباره «الرجل البالغ في الغرفة» القادر على تجاوز الضجيج وإنجاز الأمور. لكن الناخبين، كما يقول، لن يصدقوا هذا الوعد مرات كثيرة قبل أن يذهبوا بحثاً عن شيء مختلف تماماً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى