مقالات

التغييب والحضور في عيون الشعر!

كتب : الدكتور علي صالح الخلاقي:

حين يُذكر الشعر الشعبي اليافعي ، يقفز إلى الذهن اسـم الشاعر المعروف شائف محمد الخالدي كفارس أول في هذا الميدان في الوقت الحاضر ، ورغم هذه المكانة الكبيرة للشاعر الخالدي ومسيرته الطويلة الحافلة بالإبداع إلاَّ أنه لم يلقَ بعد حقه من الاهتمام ، وما عُرف عنه ونُشر مـن أشـعـاره ليـس سـوى نـزر يسير أو غيض من فيض ، وربمـا يـكـون قـد آن الأوان للالتفات إلى هذا الشاعر الظاهرة ، الذي لا زال يصول ويجول في ميدان الشعر الشعبي منذ أكثر من خمسين عاما .
إن أروع تكريم للشاعر الخالدي بعد رحلته الطويلة الزاخرة بالعطاء ، بتنوع مضامينه العاطفية والوطنية والانسانية يتمثل في القيام بدراسة حياته ومسيرته الشعرية وتدوينها ونشرها لتكون ملكاً للأجيال القادمة ، ورافداً لإثراء المكتبة اليمنية ، ومثل هذا العمل في ظل حياة شاعرنا – أطال الله عمره – سيكون أيسر وأسهل باعتباره مصدراً يمكن الركون عليه ، خاصة وأنه يحتفظ في أرشيفه بكل إنتاجه ، وبما له وما عليه في مسيرته الشعرية الحافلة .
أقول هذا الكلام ، قبل فوات الأوان ، وحتى لا يظهر علينا فيما بعد مزايدون ، يستغلون اسم الخالدي وشهرته وأعماله ليبرزوهـا في قوالب من صنعهم وعلى هواهـم وأمـزجتـهم لتغدو بالنسبة لهم مجرد سلالم يتسلقونها للصعود إلى ذرى المجـد الذي يحلمون به، وللأسف الشديد أقول أن البعض قد فعلها في ظل حياة شاعرنا الخالدي وأمام مرأى ومسمع الجميع ، فقد صدر قبل بضعة أعوام كتاب موسوم بـ «يافع في عيون الشعر ودموع القلم» بـطبعة أنيقة وغلاف ملون، ولأن الرسالة تقرأ من عنوانها، كما يقال، فقد كنت أظن أن الكتاب يتعرض بالدراسة والتحليل للشعر والشعراء في يافع ، ولكن ما أن تصفحت الكتاب حتى صُدِمت وخجلت من أن يقدِم شخص على نشر كتاب يحتوي على ثلاثة فصول من أشعار الخالدي وغيره ممن تساجل معهم ، ويكتب دون خجل على الغلاف كنيته وأسمه ولقبه كمؤلف للكتاب الذي لا ناقة له فيه ولا جـمـل، حتى المقدمة التي دبـجـهـا جـاءت عشوائية وحولها بقدرة قادر إلى سيرة خاصة به ، تتحدث عن ذاته كمؤلف مُدَّعي لـعـيـون الشعر ، أكثر مما تتحدث عن الشاعر المعني الخالدي ، الذي كان الأجدر به أن يكرسها له ولأشعاره لا أن يتحدث عن نفسه ويدعي تأريخاً آخر غير الذي عُرِف به ، الغريب أنه لم يكتفِ بما قاله عن نفسه في المقدمة، بل إنه ألحق الكتاب بقائمة طويلة من ست صفحـات لمؤلفاتـه التـي قسمها إلى ستة ميادين، وهـي ربما عناوين لموضوعات ومقالات صحفية لا أكثر ، وقد أورد في ميدان القصة والرواية (40) مؤلفا بالوفاء والتمام بين قصة ورواية وهو ما لا نجد له أثراً في المكتبات ، كما لم يتجرأ على ذكر دار النشر لما نَشَر إن كان ذلك حقاً، ولو افترضنا صحة ما قال لكان أشهر من نار على علم في میدان القصة والرواية ولتجاوزت شهرته فطاحلة القصة والرواية اليمنيين، وهم معدودون ، ولربما كان أحسن من ننافس بـه کمرشح لنا لاستحقاق جائزة نوبل للآداب (!!) ناهيك عن جوائز، العويس ، والسعيد .. الخ .
وكمسك للختام استَكْثَرَ على الشاعر الكبير الخالدي أيراد نبذة موجزة عن حياته وشعره ، وأَبى إلا أن يقدم لنا في ثلاث صفحات كاملة سيرته هـو كـمـا أرادها ، وكـأنـه هـو الـشـاعـر المحتفى به ، صـاحـب الديوان، وأغـفـل الـبـطـل الرئيسي أو تناساه ، وكان قد ذهب أبعد من ذلك في تجاهل الشاعر ، حينما أصر على أن يذيل أسمه هو مقروناً باسم الكتاب الذي حوى الكتاب قصائده ، وعوضاً عن الهوامش التي كان يفترض أن يكلف نفسه عناء وضعها لإيضاح بعض معاني الكلمات الدارجة ، إذا به يحرص على إيراد اسمه في كل صفحة كي لا يغيب عن بال القاري لحظة أنه هو بالذات المؤلف الجهبذ (!!). وكان كذلك قد خلط الحابل بالنابل حين قدم بعض قصائد المساجلات «البدع والجـواب» لشعراء تساجلوا مع الخالدي فلم يذكر أسماءهم عند إیراد قصائدهم، وبدت وكـأَنَّـهـا مـن أشـعـار الخالدي ، ناهيك عـن هـفـوات أخرى لا مـجـال لذكرها.
وأدهى ما في الأمر أن المؤلف المدعي لعيون الشعر، والشعر منه براء لم يأخذ موافقة شاعرنـا الـخـالـدي أو رأيه في اخـتـيـار قصائده وترتيبها وفي طريقه سلخها وبترها ، وهو ما عَلِمْتَهُ مؤخراً من شاعرنا أثناء مرافقتي له للمشاركة في احتفالات يافع التقليدية بعيد الأضحى هذا العام ، أي أنه قد فعل فعلته وأختار ما يتلاءم وذوقه واتجاهاته الحـاليـة وفصَّلها في قوالب جاهزة من صنعه لغرض في نفس يعقوب ، لقد أساء رعياً فسقى ، كما يقول المثل ، وبعمله هذا اتخذ من شعر الخالدي جواز مرور غیر شرعي للوصول إلى مآرب خاصة لا تخفى على من يعرفه ، فأساء بذلك إلى الشاعر الكبير الخالدي الذي غيَّبـه من «عيون الشعر ودموع القلم»، وأسـاء إلى محبي الخالدي ممن مكنوه من طباعة مؤلفه هذا بصورته الأنيقة وعلى نفقتهم ، تقديرا منهم للشاعر الشعبي الكبير الخالدي .
ولأمثال هذا نقول كفى تطاولا على جهود ونتاج الآخرين ، واتخاذها مطية لكم ، ومع كل ذلك يظل الخالدي قامة ًكبيرةً وأكبر مما قدَّمه هذا المؤلف المدعي ، والأمل أن يتناول المهتمون ظاهرة الخالدي الشعرية بالدراسة والتحليل الموضوعي ، وأن تصدر أعماله ، كما هي وليس كما ينبغي أن تكون ، لأن الخالدي شاعر متميز وصاحب موقف لا يريد أن يغير ما قاله بالأمس ليتلاءم مع اليوم، ومعروف عن أشعاره إنها أرَّخت لمراحـل عاشـهـا وعايـشـها الخالدي في الصميم ، شاعراً ومنافحاً وشاهداً، ورفض كل الاغراءات التي أرادت أن تقيد أشعاره ومواقفه، ولو تكَسَّب بالمدح والإطراء لنـال أكثر بكثير مما ناله آخرون مـن كـتـبـة الـشـعـر، وهو رغم كثرة انتاجه وانتشار قصائده الغنائي لم يحصل على أي مقابل مادي ولم يفكر في ذلك مطلقا لكن رصيد يفوق ذلك بكثير في قلوب محبيه وعاشقي شعره ، وكفاه ذلك فخراً .
وختاما ما هكذا تـورد الأبل ، أو تُؤكل الكتف يا صاحب العيون الشعرية والدموع القلمية !!..ودَعْ القوس لباريها..

صحيفة “الأيام”، 15 يوليو1998م، العدد(478)

***
ملحوظة: هذا المقال كتبته بإيعاز من الشاعر شائف محمد الخالدي حينها،بحضور الصديقين حسن عبيد القعيطي (أبو علي) وحسين صالح القعيطي (أبو وضاح) ووافق عليه قبل إرساله لصحيفة “الأيام”..وقد غادرنا الشاعر الخالدي رحمة الله تغشاه في نهاية ذلك العام…وبعد نشره مباشرة استدعاني الشيخ محمد عبدالرب جابر رحمه الله برفقة زميلي وصديقي د.عبدالرحمن الوالي الى منزله مرتين في كريتر طالبا مني وبإلحاح شديد الاعتذار للكاتب في نفس صحيفة الأيام بحجة أنه سيرد على ما كتبت ولا يريد لنا أن ندخل في سجال ..فرفضت الاعتذار بأي شكل .. وقلت له من حقه أن يرد إذا تجنيت عليه ومن حقي أن أعقب..
وصمتت شهر زاد عن الكلام المباح بعد أن أدركنا الصباح…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

16 − ثلاثة عشر =

زر الذهاب إلى الأعلى