قراءات في فكر التأزيم..الوحدة بين منظومة الفشل والذرائعية الدينية.

كتب: د. فؤاد علي ناصر الحاج
يبدو الحديث اليوم عن الوحدة في هذه اللحظة التاريخية خارج السياق المنطقي للأحداث التاريخية , لأن منظومة الفشل البشري في صناعة وحدة قادرة على مواجهة الوقائع التاريخية تدعو إلى مقاربات عبثية تستبعد الواقع الحقيقي , وهذا يدعونا إلى قراءة حصيفة وفق منهج القراءات الواقعية بعيداً عن نزوة الهوى ولي عنق التاريخ , لأن الفشل بمنظومته حقيقة واقعة اليوم والفشل هو ((القدر المحتوم )) فمومياء الجغرافية بكل مكوناتها منظومة الفشل السياسية والاجتماعية والثقافية قد فشلت في إدارة المجتمع على المستوى القطري , بل أن الفشل بأبعاده وتفاصيله المختلفة والمتقاربة ناتج عن فكر التأزيم الذي أعاد تشكيل الوحدة وفق الرؤية الاجتماعية المتخلفة التي استخدمت الدين بطريقة انتهازية أيديولوجية جرى فيها أدجلة الدين وفق منطوق الكفر وليس منطوق الدين ذاته , ووفق نزوة الذات وفكر الفيد القائل بفكرة عودة الفرع إلى الأصل التي تجسدت في وعي منظومة الفشل بأبعاده المتخلفة الذي التقى السياسي فيها بالاجتماعي في منظومة التخلف العائدة إلى ثقافة الفيد والسبي وتحت عباءة اللغة والدين ووحدة الأرض(( التي لأندري كيف جرى استنطاقها لتقول بوحدتها )) في مقاربات عبثية تعبر عن فكر التأزيم بكل فروعه وضروبه السياسية والاجتماعية والثقافية , ناهيك عن الظروف ((الاقتصادية )) محور الذرائع لشهوة
المصالح التي أنتجت المبررات والذرائع في منهج برجماتي محض .
من هنا فأن الحرب التي ولدت الاحتلال قد تطلبت إعادة قراءة الوقائع وفق منهج الألم ((الواقع )) وليس الزيف , وهي دعوة لصياغة منظومة المفاهيم وفق القراءة التاريخية الحقيقية , وتناجي الحدث بمدلوله المأساوي (( استباحة الأرض واستعباد البشر وسرقة الحقوق , فتجلى المفهوم الحقيقي الناتج عن الحرب والاحتلال وهو أن ((الجنوب منذ صيف 1994م ارض محتلة والشعب الجنوبي شعب يرزح تحت الاحتلال )) هذا هو المصطلح الحقيقي وواقع الجنوب اليوم منذ ذلك التاريخ الأسود , ولم يكن هذا الفهم ناتج عن محاكاة أنطولوجية , بل إنه المفهوم قد ارتبط بالألم الذي تجرعه الجنوبيون واكتووا بناره , فتطلب منهم رد فعل يتماشى مع الفعل المقابل في تقارب في المقدار واختلاف في الاتجاه , ففعل الحرب الذي جسد حقيقة الاحتلال تطلب رد فعل المقاومة التي تدعو إلى الحرية كعمل يؤدي إلى الانعتاق من نير الاستعمار .
أن القراءة السياسية والإنسانية لتلك الوقائع تضع فكر التأزيم تحت العين المجردة كمنهج زائف وغير مقبول , واعتبار فشله تأكيد على أزمة بنيوية في منظومة الإيكولوجيا التي رفضتها حقائق الواقع والأحداث والوقائع ليكون الفشل هو القدر المكتوب لكل احتلال والقضاء المحتوم لكل استعمار , توحد فيه الوعي السياسي والفهم المجتمعي المرتبط بالإيكولوجيا ا لتي أدت إلى بروز نظرة التعالي الأجوف والغطرسة البلهاء المنتجة للظلم واعتباره حقاً شرعيا ومنتجاً عظيماً , لأنه قائم على فكر الاغتصاب ونزوة النهب لمملكة السبي والفيد في استنساخ
تاريخي يعيد إنتاج الزيف كمنتج تاريخي وفق نظرة برغماتية استبعدها التاريخ والزمن لأنها قائمة على فكر الاستبداد .. وهي نظرة سادية تتلذذ عقلية صاحبها المتوحشة في وأد الضحية وسلخها في عمل همجي ومتوحش ..هذا الفهم الأخرق والنزوة المتوحشة جعلت من الجنوب مساحة لممارسة غطرستها وأعمالها العدوانية .. وعادت لتكتمل الرؤية اليوم بعد ما يسمى ثورة التغيير التي وجدت في (الشمال) والتي أتت متأخرة جداً عن ثورة (الجنوب ) وهي بعيدة الأهداف والمرامي عن الواقع الجاري في الجنوب , وهي بالمنظور السسيوسياسي أقرب إلى صفقة أعادة تنصيب القاتل أو هي بمنظور الفعل إعادة إنتاج ذرائع الاحتلال للجنوب تحت عباءة ثورة يطلق عليها ثورة التغيير التي برعت مملكة القبيلة في الشمال في سرقة نضالات شعبهم الذي يرى حصوله على الحرية مقدمة لاستعباد شعب أخر , أو بمعزل عن مطالب شعب الجنوب المحتل .
ولعل مراكز القوة المتمركزة في ثالوث الموت (( القبيلة , الجهل , المال )) المتمركزة في اتجاه واحد في مملكة الفئران والثعابين قد استدعت الرقص على فعل المؤامرة أو إنتاج المؤامرة لتصبح ثورة مدفوعة الأجر في مخيمات القبيلة (( تراجيديا الفعل الثوري )) حيث ظلت تلك المخيمات المتقابلة في ملحمة إله الإرهاب وزعامات القتل تنتج من خلف ستار المؤامرة إله الثورة المنقذ والمخلص للناس من عذاب تحالفه الطاغوتي .
وما برحت الذاكرة الجمعية للناس تعيش الألم وتعرف تلك اللعبة المقيتة التي أعتمد نظام البغي عليها في تسيير شؤونه وصناعة الأزمات في ممارسة دور القاتل والمنقذ في وقت واحد .
إن المقاربة التاريخية لما يسمى اليوم ثورة التغيير تقودنا إلى قراءة المرامي بين ثوار الأجر ونظام القتل في مشاريع مقاولات المؤامرة والتي تتطلب الحذر وعدم الانجرار وراء وهم الثورة والتغيير , لأن منظومة الأمس هي نفسها منظومة اليوم , لأن النظرة الاستعمارية والادعاء الكاذب وثقافة الزيف واحدة بشخوصها وذهنية التخلف التي لا يعقل أن تنتقل بين لحظة وضحاها من الفكر الاستعماري إلى الفكر الثوري في نقله أشبه بليلة القدر , وما زالت روائحها النتنة تفوح من صلب ثقافة الاستبداد بكل مكوناتها الاجتماعية .. كما أن الذرائعية الدينية بعد ما يسمى ثورة التغيير التي ربطت بين الوحدة المنتج البشري الناقص وذهنية الفشل قد أكدت على أن الفشل منظومة مجتمعية بكل أقطابها السياسية والاجتماعية والثقافية , وهي نفسها لم تستطع أن تتخلص من موروثها وثقافتها العفنة التي تنظر للجنوب فرع عاد للأصل , وهذا الفعل يعبر عن أزمة بنيوية لا تكتفي بثقافة الفيد والاستعباد للجنوب بمنظور القوة والاحتلال بل انها ترغمنا على الكفر من خلال إشراك الوحدة بالوحدانية وهو شرك كبير والعياذ بالله , من خلال اعتبارها الركن السادس من أركان الإسلام , فأنتجت ثورة العهر المسماة عبثاً التخدير هبل جديد هو هبل الوحدة ذاتها التي ولدت الشقاء والويل والثبور للجنوب , ونعتبر ثقافة الجلد والموت وضرب الجيوب لا شباع نزوة المحتل المستبد قوم هبل الجديد (( وحدة ما بعد الاحتلال وثورة العهر )) فتكتمل اللعبة اليوم في تواصل حلقات الفتوى السياسية , شيوخ القتل تجار الحروب والأفيون أبطال الإرهاب وزعماء الجريمة ء , والشي المضحك أن يتحول المهرجون إلى مسوقين للفتوى لتعود الردة بالظهور من جديد بعد 1400 سنة
من رسالة الإسلام الذي جاء بها رسولنا الأعظم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم , فيعود عبد الله بن سبا من جديد ومن نفس المكان والنسل ليفتي باعتبار الوحدة الركن السادس من أركان الإسلام والعياذ بالله .. أذن الصورة لم تختلف , بل أن الصورة هي نفسها , وزعماء الإرهاب هم من يوجهون الفتوى الجديدة القديمة التي تمثلت بالأمس في التكفير السياسي واليوم تقوم بالتكفير الشعبي لشعب الجنوب , فيقدموا لنا الثورة بمنظورهم المتخلف , المنظور المبني على منفعتهم وقبولنا بالخسارة , وهذا لعمري بله وغباء , فالثائر الحقيقي هو الذي ينظر للأخرين من خلال ما يريدوه لأنفسهم وليسمن خلال ما يريده المحتل لهم , أي أن حصوله على الحرية لا يعطيه الحق في استعباد الآخرين , فلقد شب الجنوبيون عن الطوق ولا يقبلوا أن يكون جلادهم الأله الأحمر المنقذ الذي يملأ الجنوب نهباً وسرقة وقتل .
الناشط السياسي والباحث في الثورة السلمية الجنوبية الأستاذ / فؤاد علي ناصر الحاج
