تقارير

تعويم العملة المحلية.. خبراء اقتصاد: قرار كارثي واستمراره يفاقم الأزمة الاقتصادية في الجنوب

سمانيوز / تقرير

حذر اقتصاديون من استمرار سياسة تعويم سعر صرف الريال اليمني (الطبعة الجديدة)، المتبعة حالياً من قبل البنك المركزي بالعاصمة عدن، والتي تدار وفقاً لآلية العرض والطلب في أسواق الصرف، مشيرين إلى أن هذه السياسة النقدية التي ينتهجها البنك غير محصنة أمام المتلاعبين والمضاربين والمتربصين، طالما أن البلاد لا تزال في حالة حرب مع الحوثي المسيطر على أغلب الأسواق والنقد الأجنبي..
مؤكدين أن استمرار سياسة تعويم العملة المحلية سيؤدي إلى استمرار تدهور قيمتها الشرائية أمام العملات الأجنبية، وتفافم وتعميق الأزمة الاقتصادية.

فمع كل انهيار للريال اليمني في الأسواق، يسارع البنك المركزي بالعاصمة عدن إلى تنظيم مزادات لبيع العملة الأجنبية (الدولار) مقابل الريال اليمني، مع علمه المسبق عن حالة الانهيار التي لحقت بالريال، وبدلاً من اتخاذ إجراءات تعزز من قيمته يسارع إلى تثبيت السعر الكارثي الجديد الذي وصل إليه، في عملية أشبه بالمضاربة والمتاجرة المشرعنة، أو شرعنة الانتكاسات التي تحدث للريال اليمني.

وتساءل خبراء اقتصاديون وناشطون سياسيون: هل انضم مركزي عدن إلى الجهات المضاربة بالعملة؟ أو أنه مجرد أداة ينفذ أجندات يمنية إقليمية مشبوهة، تندرج في إطار الحرب متعددة الأشكال التي تشن ضد الجنوبيين؟

مؤكدين أن القرار أفرز نتائج كارثية أوصلت شعب الجنوب إلى حافة المجاعة، وصب في صالح تعزيز قيمة الريال اليمني الطبعة القديمة المتداولة بمناطق سيطرة الحوثيين، في ظل انقسام السياسة النقدية بين صنعاء وعدن، وفي ظل استمرار سيطرة بنك صنعاء في نطاق صلاحيته على أكبر البنوك والأسواق الاستهلاكية والمراكز المالية في البلاد، وفي ظل إغلاق موانئ الجنوب من قبل مليشيات الحوثي ومنعها من تصدير النفط والغاز، ما أدى إلى تجفيف مصادر النقد الأجنبي بالبنك المركزي في عدن.

تعويم الريال اليمني الطبعة الجديدة:

وكان البنك المركزي اليمني بالعاصمة عدن قد أصدر قرار تعويم العملة المحلية الريال اليمني، الطبعة الجديدة، في تاريخ 15 أغسطس عام 2017م، وذلك من قبل المحافظ الأسبق للبنك منصر القعيطي. وصدر القرار – بحسب اقتصاديين – في وقت حساس كانت ولاتزال الأسواق تشهد فيه تنافساً وحرباً اقتصادية مستعرة اشتعلت على خلفية قرار نقل مقر البنك المركزي اليمني من العاصمة اليمنية صنعاء إلى العاصمة عدن في العام 2016، بقرار جمهوري أصدره الرئيس السابق عبد ربه منصور هادي، شمل أيضاً إعادة تشكيل مجلس إدارة المصرف المركزي اليمني.
ويتمثل التعويم في تحرير صرف الريال اليمني وفقا لآليات العرض والطلب المتبعة في سوق الصرف، ولا يتدخل البنك أو الدولة في تحديد سعره.

وقال مختصون إن ما يعانيه البلد من عدم استقرار وانفلات وظروف استثنائية، لا يسمح باتخاذ مثل هكذا قرارات تسهم في تفاقم حالة الفوضى في سوق النقد، وتشجع المضاربين والمتربصين على استثمارها لصالحهم.

من جهته، برر البنك المركزي قرار التعويم في حينه بأنه “سيساهم في جذب المنح وغيرها من موارد النقد الأجنبي المتأتية من الخارج، خاصة برامج المنح التي سيطلقها البنك الدولي والمانحين الآخرين، مثل برنامج التحويلات النقدية الخاص بصندوق الرعاية الاجتماعية، ومحفظة دعم الواردات السلعية، وجهود الإغاثة الإنسانية، ودعم بعض المشروعات في مجال خدمات التعليم والصحة”، وبأنه متوافق مع توجيهات صندوق النقد الدولي.

واعتبر مختصون صدور قرار تعويم الريال اليمني من أخطر القرارات الاقتصادية على الإطلاق، مؤكدين أن تأثيره السلبي شمل الاقتصاد والسكان عموماً، وأنه أحدث إرباكاً في عمليات الإنتاج والتصدير والاستيراد بسبب اعتماد اقتصاد اليمن على الخارج بشكل كبير، حيث حول القرار حياة السكان وبالذات في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة المعترف بها دولياً إلى جحيم.

قرار لا يتوافق مع الوضع القائم على الأرض:

وعدد مختصون جملة من الأسباب التي تؤكد أن قرار تعويم العملة كان خاطئاً، ولا يتوافق مع الوضع القائم على الأرض، وأنه ساهم في تنفيذ أجندة معادية هدفها تركيع الجنوبيين.
من تلك الأسباب: الكثافة السكانية، حيث إن معظم التجارة والنقد متمركز بمناطق سيطرة الحوثيين، وكذا سيطرة الوافدين اليمنيين المقدر عددهم بالملايين على سوق العمل في الجنوب، وما رافق ذلك من عملية شراء العملة الأجنبية وتحويلها إلى مناطق سيطرة الحوثيين، بذريعة أن الريال اليمني (الطبعة الجديدة) ممنوع تداوله هناك.

بالإضافة إلى سيطرة مندوبين عن الحوثي على بعض محلات الصرافة في الجنوب، وعلى المزادات الأسبوعية التي يجريها مركزي عدن عبر شراء بضعة ملايين من الدولارات بأسعار خيالية من ورق العملة المتداولة في الجنوب بهدف تدميرها، وأصبح الحوثي هو من يحدد قيمة الريال في الجنوب من خلال قيمة ما يدفعه في تلك المزادات.

وكذلك منع تداول الريال اليمني (الطبعة الجديدة) في مناطق سيطرة الحوثيين، ما أدى إلى تضخمها جنوباً قياساً بكميتها الكبيرة وقلة عدد السكان.
فضلاً عن إغلاق موانئ الجنوب ومنع تصدير النفط والغاز منذ أكتوبر ونوفمبر 2023م حتى اللحظة، ما أدى إلى تجفيف منابع العملة الصعبة في بنك عدن المركزي، إضافة إلى امتناع محافظة مأرب اليمنية عن التوريد إليه. إلى جانب الأوضاع الأمنية غير المستقرة، واستفادة بعض المسؤولين في الجنوب من هكذا وضع واستغلاله للمتاجرة بالعملة.

ناهيك عن وقوف المبعوث الأممي إلى اليمن، السيد هانس غروندبرغ، ضد قرارات مركزي عدن التي أوشكت أن تصيب اقتصاد الحوثي في مقتل. كما شجع ذلك على المزيد من الانفلات الاقتصادي وكبح جماح الإصلاحات الاقتصادية، وغيرها من الأسباب.

مركزي عدن.. عاجز أم غير راغب في إيجاد حلول؟

في السياق، أشار مختصون إلى وجود أيادٍ خفية تدير البنك المركزي بالعاصمة عدن لا ترغب في إيجاد حلول، وتضغط نحو تأزيم الوضع الاقتصادي لتحقيق مصالح وأهداف سياسية لا أخلاقية، وتدفع البنك صوب تحميل محلات الصرافة أسباب انهيار قيمة العملة، التي بدورها أصدرت تعميماً بإيقاف بيع وشراء العملات الأجنبية.

من جهته، يرى الباحث الاقتصادي والمالي وحيد الفودعي، في تصريح لـ”العربي الجديد”، أن “قرار جمعية الصرافين في العاصمة عدن إيقاف التداول، لا يُعد حلاً جذرياً بقدر ما هو انعكاس لحالة الارتباك في إدارة السوق، فمثل هذه القرارات المؤقتة قد تُخفف من حدة المضاربة آنياً، لكنها لا تُعالج جوهر المشكلة، المتمثل في غياب السياسة النقدية الفاعلة والرقابة السيادية على السوق”.
مضيفاً أن “نجاح أي قرار يتوقف على ما إذا كان جزءاً من حزمة إصلاحات متكاملة أم مجرد ردة فعل. وإذا بقيت الإجراءات تُدار من خارج الإطار المؤسسي الرسمي، فإن أثرها سيكون مؤقتاً، وربما سلبياً على المدى المتوسط”.

ختامًا..
لا يوجد تفسير منطقي لإصرار البنك المركزي بالعاصمة عدن، على المضي قدماً في سياسة تعويم الريال اليمني رغم فشلها الذريع، وعقب أن أثبتت التجارب أنها لا تصلح من جميع الجوانب لإعادة الروح إلى الريال اليمني في الجنوب.
وبالنظر إلى تجارب مماثلة في عدد من البلدان، خاصة النامية، فإن تحرير العملة يقود إلى التضخم، وإلى ارتفاع المديونية وأسعار الواردات بالعملة الوطنية، خاصة وأن اليمن تستورد جزءاً كبيراً وأساسياً من احتياجاتها من الخارج.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى