القناعة كنز يفنى ولا يُستحدث من العدم ..!

كتب : سيد السيد
منذ صغري وقد تعلمت أن القناعة كنز لا يفنى، فكنت أسير في الطرقات وجيوبي خاوية، فأقطع الطريق أشواطاً حتى تنقطع أنفاسي من طول هذا الطريق، فهذا طبيعي فكل فعل له رد فعل.
فعندما التحقت بالجامعة لم تفارقني النظرية الخاوية، ولكن تلك المرة ليست في جيوبي فقط، بل كذلك في معدتي، فكنت أتمرس على الحمية الغذائية طيلة تواجدي بالمدينة الجامعية، فكنت أنام وفي بطني كنز القناعة الصيفي وكذلك الشتوي في آن واحد.
تدرجت بي القناعة عبر مطباتها الصناعية حتى التحقت بأول وظيفة لي، فلم يكن الأمر سهلًا كما يعتقد البعض، وبعائد شهري بسيط ارتضيت العمل بالقاهرة، فكان مرتبي الشهري هو الآخر يتعرض لحمية مالية تفقده نصف قيمته ووزنه، كل ذلك جراء القناعة التي تعمل ببطاريات القلب وليس العقل.
لم يتغير مفهوم أن القناعة ما زالت كنز لدي بعد ذلك أيضًا، ومن وظيفة لأخرى لا أمانع من تقلد أي منصب يدر أي أموال اتجاهي ككائن خوائي، لا يملك إلا درجة التميز ليس في دراسته فقط، ولكن كذلك في لون عينيه، فاللون العسلي يليق بي.
ويبدو أن الزواج كذلك لم يخلُ من نظرية القناعة هي كنز، فتزوجت ممن لا توافقني عقليًا ولا روحيًا، وكان التوافق الوحيد بيننا هو التوافق اللّامادي، واعتقدت أننا سوف نصيغ قصة حب جديدة ننسج خيوطها سويًا، ولكن يبدو أن مصانع الغزل والنسيج لم تكن لتستطيع أن تفعل ذلك مطلقًا، وانتهى الزواج وسعى كلٌّ منا بطريقه الذي أراده، وبقي كنز القناعة هو زائر عقلي الوحيد عندما لم يطرق بابي أحد.
ومنذ تلك اللحظة بدأت أفكر بطريقة مختلفة تجاه هذا الحظ العاثر الذي يلازمني، حتى أيقنت أنه يتمتع بأصالة لم تعد موجودة في وقتنا الراهن، فتمنيت أن يصيب هذا الحظ متلازمة الخيانة ويتركني وحيداً.
وبعد الجلوس مليًا مع ذاتي التي سكبت لي كأساً من الكافيين، فنبه ذلك عقلي إلى عنوان المقال كاملاً بأن القناعة كنز فعلاً ولكنه يُفنى ولا يُستحدث من العدم، مثلها مثل البترول، تصبح غنيًاً إذا امتلكته ويخسف بك الأرض إذا نضب وجفت آباره.
ومنذ ذلك الوقت وأنا أتحين لكل الفرص قبل أن تأتي من أجل استغلالها، فقبل أن تكون القناعة كنز فمن المؤكد انه كان هناك مادة خام لها، وكان هذا هو نهجي في الحياة.
فإن استطعت أن تغير من كيمياء تلك المادة الخام عبر صَهرِها أو مزجها بغيرها، تستطيع أن تشكِّلها بقوالب يظهر من خلالها مدى تذوقك لهذا الفن التشكيلي، ولا يصيبك الذعر أبداً فمفعول تلك القناعة سيتغير ولن يضرك شيء إذا حافظت على اسمها، ولكن إذا أثارتك الريبة فيمكنك التوجه إلى السجل المدني للقيام بالمطلوب.
وفي حال شق عليك هذا الأمر، فيجب أن تبحث جيدًا داخل المولات ومحلات البقالة التي تتواجد بالقرب من مكان سكنك، ربما تجد تلك القناعة التي تفنى ولا تستحدث من العدم، ولكن اعلم في نهاية الأمر أن تلك البضاعة لا ترد ولا تستبدل.
