ماردين .. مدينة حضارة متعددة المشارب

كتب : غسان الجيلاني
وأنت تتمشى في شوارع المدينة القديمة في ماردين تحس وكأن الأحجار والجدران والمنازل والدكاكين والمحلات التجارية والخانات والفنادق تحاول أن تهمس في اذنك لتحكي حكايات ما رأته من الزمان وما مر عليها من البشر ، وتكاد تنطق بعبق تاريخها وتحكي لك حكاية رحلتها المباركة مع الدين منذ التواجد السرياني إلى التواجد الإسلامي من خلال تلك المساجد الصداحة بمآذنها الشامخة.
تعدد الساكنون لهذه المدينة واختلفت أعراقهم ودياناتهم وتعدد ألسنتهم ولهجاتهم وتعددت عاداتهم فنتج عنها خليط من الحضارات والعادات فنتج عنها كلمات جديدة ، فتزينت الكلمة التركية بالقواعد العربية والكلمة العربية بالقواعد التركية حيث يتكلم عربها اللهجة المحلمية كما يتحدث السريانيون اللغة السريانية والأكراد اللغة الكردية والتركمان ويكتب على مبنى بلديتها باللغات الثلاث التركية والعربية والسريانية مدينة ماردين بالسريانية : ܡܶܪܕܺܝܢ؛ وبالكردي: Mêrdîn هي مدينة في جنوب شرق تركيا، وعاصمة محافظة ماردين. وتشتهر بالعمارة الأرتقية لمدينتها القديمة، وبموقعها الاستراتيجي على ربوة صخرية شاهقة تطل على نهر دجلة، ويبلغ تعداد سكانها حوالي 876.176 نسمة.
تبعت ماردين في العصر العباسي سياسياً وإدارياً، حكام الجزيرة في الموصل وفي نصيبين. حيث استقلت باسم مملكة ماردين في القرن التاسع الميلادي، ومرت في ظروف مختلفة ساعد بعضها على عمرانها وبعضها الآخر على خرابها، وخاصة حروب القبائل العربية فيما بينها داخل حدود الجزيرة، وكذلك حركات الخوارج وتصرفاتهم حيال السلطة المركزية، وهجمات القرامطة والشيبانيين وحروبهم مع السلطة المركزية، إضافة إلى الفتن الطائفية والصراع بين عمال الجزيرة.
كما أن شاعر العرب جرير قال فيها :
يا خزر تغلب إن الشؤم حالفكم ما دام في ماردين الزيت يعتصر
وقال شاعر العراقي صفي الدين الحلّي عنها :
فدع ربوع الحلّة الفيحاء وازورّ بالعيس عن الزّوراء
ولا تقف بالموصل الحدباء
إن شهاب القلعة الشهباء.
كما كانت علاقة ماردين مع الحمدانيين في بداية حكمهم جيدة، وارتبطت ارتباطاً وثيقاً بتاريخهم حيث سموها «الباز الأشهب»، وكانت موقعاً عسكرياً مهماً لهم مما دفعهم إلى وضعها تحت نفوذهم المباشر، فعانت تعسف بعض ولاة بني حمدان في جمع الأموال، وكذلك حروب أمراء الدولة فيما بينهم ومع الروم، وغدت بمرور الزمن ملجأ للفارين من وجه الروم ، وعانت آثار الصراع بين أبناء البيت العقيلي والبيت المرواني من جهة، وبين الأكراد من جهة أخرى.
انفرد الأراتقة بمملكة ماردين مدة تزيد على ثلاثمائة سنة (498-811هـ/1105-1410م)، حيث توارثوا حكمها، نهضوا بالبلاد وأحسنوا إلى العباد وأكثروا من المدارس والمساجد، وقرّبوا العلماء وأصحاب المنابر واستبسلوا في الدفاع عنها ضد الفرنجة وخاضوا ضدهم معارك عدة، إلا أنها ما لبثت أن خضعت إلى النفوذ الأيوبي، ومن ثم إلى سيطرة المغول وبعدها هيمن النفوذ المملوكي وعلى إثره التركماني والصفوي. وحين أرسل السلطان العثماني سليم الأول إثر معركة جالديران عام 920هـ/1514م أحد قواده، فبسط سلطانه على ماردين، حينها أصبحت ماردين تحت السيطرة العثمانية إلى ما بعد الحرب العالمية الأولى، وأمست بعدها جزءاً من الجمهورية التركية بعد أن رسّمت الحدود بين تركية وسلطة الانتداب الفرنسي على سورية. كانت ماردين غنية بمواردها من زراعة وتربية الحيوان والصناعة والتجارة وكانت عقدة مواصلات وطريق بريد، وسُكنت من قبل العرب والتركمان والأكراد والسريان، وكان فيها المسلمون والنصارى من نساطرة ويعاقبة إضافة إلى اليزيديين.
وبعد أن استقرت المدينة تطورت الحركة الفكرية فيها بدءاً من دور العلم الأولى من الأديرة والكنائس، والتي اقتصرت على تعليم اللغة الآرامية، ومن ثم توسعت آفاق الفكر فيها في ظل الدولة الإسلامية، وخاصة في العصر العباسي حين تطورت فيها دراسات اللغة العربية واليونانية والفلسفة والتاريخ والعلوم الرياضية والطب، ونبغ في هذه المجالات أعلام كبار تخرجوا في جامع ماردين، كما قصدها أعلام بقصد العمل والرحلة.
كان التعليم في ماردين بداية الفترة الإسلامية يقوم على الكتاتيب وحلقات المساجد وفي دور العلماء والفقهاء إلى أن أنشأ نظام الملك السلجوقي ما عرف بالمدرسة، ومن أشهر مدارسها، المدرسة القاسمية والخاتونية (مدرسة سيتي الرضوية) والمدرسة الزنجيرية والنظامية،ومدرسة مليك منصور إضافة إلى الزوايا والربط والخانقاوات. كما يوجد فيها قبر الصحابي الجليل مبعوث الرسول صلى الله عليه وسلم عبدالله بن أنس الجهني رضي الله عنه في مسجد الشيخ تشبُك في حي تشبُك بالمدينة القديمة. كما توجد في جامع أولوجا مع شعرة من دقنه الشريف حبيبنا النبي الأمي محمد الأمين صلى الله عليه وسلم.كما أن هناك تشابها كبيرا بين أزقتها ومدينة القدس وكانهما توأمان.
اليوم تعيش ماردين نوعا من المزيج الثقافي العجيب الذي قل مثيله نتج عن تعدد الساكنين فيها والمنتمين إلى أرضها الطيبة واختلطت لغاتهم ولهجاتهم بل وأحرفهم لترسم لوحة ثقافية ماردينية خاصة. وتشتهر هذه المدينة بالصناعات الحرفية والأشغال اليدوية والأعمال الفضية وصناعة الصابون والزراعة لامتلاكها الأراضي الخصبة والشاسعة.
