الاستعمار الفكري الأشد خطراً على الجنوب

كتب : عبدالله الصاصي
على الجنوبيين أن يدركوا أن السبب في استمرار المعاناة وتأخير الحسم لقضيتهم العادلة ناتج عن عامل رئيسي ورثه الاحتلال اليمني ، عندما زرع أدوات استعماره الفكري في الجنوب وهي الأشد خطراً من الاجتياح العسكري الذي ينتهي بمجرد الانسحاب ، رغم مايخلفه من دمار وأضرار في الأرواح والممتلكات ، لكن الأخطر هو المنهج الثقافي الذي يورثه ليتشربه جيل مواليد فترة الاحتلال ، وهذا أمر طبيعي حدث في كثير من المجتمعات التي عانت من جور ظلم الدول الاستعمارية على حد اختلافها في أساليب التعامل مع شعوب الأرض المحتلة .
فالاستعمار البريطاني على سبيل المثال : كان يركز في حكمه لمستعمراته على نهب ثرواتها ، وكان ينفذ سياسته من خلال نخب محلية تتشرب الثقافة البريطانية لكنها تبقى جزءاً من المجتمع المحلي . لكن الأمر مع الاستعمار الفرنسي كان مختلفاً ، فقد كان ناموسه هو استخدام أبشع انواع القسوة والقهر من أجل مسح الهوية الثقافية للمستعمرات ، بما في ذلك إخراجها من ورثها الروحي وعاداتها وتقاليدها وإجبار أهلها على ابتلاع لسانها ، وباختصار جعلها تتماهى مع المستعمر من موقع التابع الذليل .
ومع اختلاف أساليب الطغاة الاستعماريين يجد الجنوبيون أنفسهم الآن أمام استعمار فكري لكنه أقل حدة في وطأته من المثالين : بريطانيا وفرنسا.
ولأن الجنوبيبن متميزون
بسيكولوجيتهم الفريدة من نوعها بفاعلية الجينات الوراثية ولهذا ، فالغزو الفكري يكون تأثيره طفيفاً على المجتمع ، ومع ذلك فأسلوب الاستعمار البريطاني مقارنة بالفرنسي نجد الفرق واضح ، فالدول التي تعرضت للاستعمار الفرنسي تغيرت وتأثرت ثقافتها بدرجة عالية حيث وصل بها الحال إلى اعوجاج اللسان ، وهذا ظاهر في لهجات دول المغرب العربي ، وهذا التغيير لم يظهر على شعوب الدول التي كانت تحت الاستعمار البريطاني والجنوب العربي كان أحد المستعمرات البريطانية لمدة 129 عام ، ومع ذلك ظل الجنوبيون محافظين على هويتهم وثقافتهم وتعدد لهجاتهم اللحجية والأبينية المتداخلة والعدنية والشبوانية والحضرمية والاختلاف البسيط بين اللهجة المهرية والسقطرية ، وكذلك مصر وغيرها من دول الاحتلال البريطاني الذي اكتفى بنهب الثروة تاركاً هوية المجتمعات وثقافاتها كما هي ، وهذا الملحوظ في الواقع الجنوبي الذي لم ينجر ويغير ملامحه في ظل الاحتلال ، ولكن مهما كان التأثير طفيفا وحجمه أقل وجب العمل على الخلاص من أدوات الفكر الاستعماري الذي خلفه الاحتلال اليمني ، والتي لازالت موجاته مؤثرة في بعض المناطق ، فيما تبثه من سموم في عقول البعض من الشباب الجنوبي من القاصرين في تعلم ثقافة فهم الواقع الذي يحتم على الجنوبيين الالتفاف الكلي لتشكيل سياج منيع للأرض والعرض في إطار جنوبي جامع .
ومن منطلق الحرص على تنقية المجتمع الجنوبي وجب على القيادة الجنوبية ، المضي في مرحلة الإعداد والبناء لمجتمع جنوبي خال من ملوثات الفكر ، والعمل من الآن فصاعداً على إقامة ثورة علمية نورانية شاملة تنبذ خلالها الفكر الدخيل بالمحو من الذاكرة الجنوبية والبناء على أطلال ذلك الفكر البائد ، فكر أصيل يحفظ الهوية العريقة يتماشى مع كل جديد يصب في مصلحة الوطن والمواطن ، يفاخر به كل جنوبي يراه ماثلاً في نمط الحياة لكل شباب الجنوبي العربي.
