مقالات

الخيط الرّفيع بين الشهرة والنّجاح

كتب : زينب عبد الباقي

 

في برنامج اكتشاف المواهب الذي يقدمه الموسيقار المبدع “حلمي بكر”، شاركت صبيّة ينطبق على صوتها ما قاله ابن الرومي في قصيدة مدحه للمغنّية “وحيد” حين قال :

تتغنّى كأنّها لا تغنّي من سكون الأوصال وهي تُجيد وكان كل ما في وجه الموسيقار يشير إلى إعجابه بما يسمع، لكنّه وجّه لها سؤالًا غريبًا : “تعرفي تغنّي وِحِش؟”

ابتسمت الصبيّة باستغراب ولم تجب فتابع : “لازم تغنّي وِحِش علشان تشتهري “. 

نصيحة غريبة من فنّان كبير لكنّها حقيقة للأسف !! حقيقة أرجعتني للتّفكير في قضية تشغلني منذ فترة وتتلخص في سؤال : “هل هناك فرق بين الشّهرة والنّجاح؟”

هل كلّ مشهور ناجح؟ وهل يحقّ لأي مشهور أن يتفاخر بشهرته كما يحصل الآن؟

 للإجابة على سؤال كهذا لا بدّ من العودة إلى ما يحصل حاليًّا في وسائل التّواصل الاجتماعي مع شخصيات تقدم تفاهات لا تستحق المشاهدة ومع ذلك نجد عدد متابعيها يصل إلى الملايين، ما يتيح لهذه الشّخصيّات دخول سوق الإعلان للمشاركة في إشهار منتج معيّن أو مؤسسة جديدة، والأمثلة كثيرة على هؤلاء خاصة في المطاعم التي يساهم هؤلاء ” البلوجرز” في تقديم  الشّهرة لها على”طبق من فضّة”.

الأمثلة في هذا المجال لا تقتصر على وسائل التّواصل الاجتماعي ، بل تتعدّاها إلى مجالات التّمثيل والغناء والشّعر وغيرها. فكم من مغنٍّ سرق ألحانًا لأغانيه من أغنية قديمة ووضع عليها عبارات مخجلة تختفي وراء ستار الإيقاع، فوصلت شهرته إلى أصقاع الدّنيا، علمًا أن ما يقدّمه لو وُضِع تحت مجهر التّحليل لنال صفرًا لخلّوه من كلّ ما يمكن تصنيفه تحت خانة الإبداع.

  وفي السّياق نفسه أذكر لاعب الكرة المصريّ مجدي عبد الغني الذي نال شهرته من خلال هدف  يتيم حقّقه في “المونديال” منذ أعوام  وظلّ يعيش على ذكراه متفاخرًا به.

     أمّا البرامج الحوارّية فحدّث ولا حرج : مضامين فارغة، موضوعات سخيفة، نبش في الخصوصيات، اعتماد على إحراج الضّيف ومقاطعته واستدراجه للمشاركة في ألعاب تقلّل من هيبته وتسلبه وقاره، اعتمادًا على مقولة : هذا ما يطلبه الجمهور  فتتحقق شهرة البرنامج وترفع له نسبة المشاهدة أو ما يُعرف بال”رايتنغ” على حساب الضيف والمُثُل والأخلاق الإعلامية.

ولكن .. هل يتحقّق النّجاح حين تتحقق الشهرة؟ 

    قبل الإجابة عن هذا السؤال لا بدّ من تعريف النّجاح : ” النّجاح هو تقديم مضمون يُجمِع المتخصّصون على جودته، حسن صياغته وقدرته على خدمة المجتمع بشكل أو بآخر.وللنجاح شروط لا بدّ من تحقيقها، أهمّها تقديم محتوى جيّد محترم”  

وكيف يمكن التأكد من المحتوى الجيّد؟ 

  يتحقق ذلك من خلال تمتّع العمل  بالشروط العلمية المطلوبة للإنتاج الفني ، وقد أثبتت التّجربة أن اللجوء إلى حكم الزمن من أهم عوامل تأكيد النّجاح. فمع الأيام تسقط الأعمال الرديئة ، وتذهب إلى ما أطلق عليه النّقاد مصطلح “منفى التّاريخ” شاء أصحابها أم أبو ، ولا يبقى من ذكرها إلا معلومة واحدة تقول أنها نالت الشهرة فقط لكنّها حين توزن بميزان الإبداع النّاجح تكون حصيلتها صفرًا. 

  

قد يقول قائل إن المشهور له متابعوه، ولهؤلاء أذواقهم التي ينبغي علينا احترامها. هذا أمر صحيح لكن هؤلاء المتابعين هم، في الأغلب، من فئة المراهقين  الذين يهرعون لمتابعة ما يثير فضولهم بغضّ النّظر عن المستوى . 

همّهم قضاء وقت ممتع والشّعور بأنّهم جزء من اللّعبة التي تدور أمامهم من أجل الإحساس بالانتماء .

 المراهق عادةً يقوم بالتّماهي والتّقليد حتى لا يحسّ أنّه خارج الدائرة التي ينتمي إليها، و بالتالي فهو يتابع ما يُقدَّم له فقط . إضافة إلى أنه لا يملك الأدوات المطلوبة والمهارات الجيّدة والحجج الدامغة ليدافع عن رفضه لما يتعارض مع الذائقة السليمة، لذلك تراه تابعًا لا يستقل. وهؤلاء المراهقون – للأسف- هم الذين يشكلون القاعدة التي تقوم عليها الشهرة و يعتمد عليها المشهورون، يشاركهم في ذلك من لم تنضج عقولهم وإن تقدّمت بهم السنون.وأصحاب هذه الشّريحة لا يمكن اعتبارهم مؤشرًا للنّجاح وإن كانوا مؤشرًا جيًداً للشّهرة. فالنّجاح إذًا لا يعني الشّهرة.

 

وقد يقول آخر : المشهورون اليوم يحققون الأموال الطائلة من عالم اليوتيوب مثلاً أو من خلال نشر أعمالهم الهابطة إذا ما قيست بمقياس الجودة. وهنا أجيب : أيضا صحيح ، ولكن من قال أن المال هو الأصل في عملية التّقييم؟ هل يمكن تقييم الشخص اجتماعيًا أو ثقافيا أو علميًّا بماله ؟ طبعاً لا. المال وسيلة لا ننكر أهميتها ولكن لا يمكن اعتبارها مقياس النّجاح على الإطلاق. هي مرحلة عابرة في حياة هؤلاء الذين إن انقطع متابعوهم زالت قدرتهم على جني المال ، وقد يفتقرون ويعودون كما كانوا. 

من هنا لا يمكن اعتبار المشهور إنسانًا ناجحًا إذ إن الذي تنطبق عليه شروط النّجاح قد يعيش عمره مغمورًا فقيرًا ، لكنّ التّاريخ سينصفه فيما بعد كما فعل مع الكثير من العلماء والموسيقيّين والمبدعين .والمشهور قد يخسر شهرته في لحظة حين يجتاح واقعه شخص أكثر إبهارا.

الشّهرة – كما أراها-  شيء يشبه “الواسطة” ، يمكن استخدامها في بداية الطريق كعامل للبدء بالخطوات الأولى ، لكنّها ستسقط مع الأيّام إن لم تقترن بالعمل الدؤوب من أجل اقترانها بالنّجاح والمقومات المميّزة لذلك أقدّم نصيحتي لكلّ من اشتهر بالصّدفة : “كن مشهورًا لكن لا تجعل شهرتك هي الغاية والمنتهى ، حاول أن تتطوّر على الدّوام وقدّم ما يجعلك ناجحًا ، وهكذا يذكرك الزّمن وتكون ممّن ضمّ المجد من أطرافه : حلاوة الشّهرة واستمرارية النّجاح ” وطوبى للمشهورين الذين عرفت مسيرتهم دروب النّجاح والاستمرار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى