هل اقتربت المواجهة بين روسيا والناتو؟

كتب:
علي عبدالله البجيري
يتوتر المشهد الأوروبي يوما عن يوم، بسبب التصعيد غير المسبوق في العلاقات بين الدولة الروسية ودول حلف الناتو، متجاوزا ماكان عليه إبان مرحلة الحرب الباردة. فالتأزم في العلاقات بلغ درجة كبيرة من الخطورة بسبب الحرب الأوكرانية، إلى حد التلويح باستخدام السلاح النووي. صحيح أن ذلك السيناريو لايزال في الإطار “النظري”، ولكنه كسيناريو مطروح على الطاولة ويتداول الحديث عنه، وهناك تجرى عمليات تصنيع وتحديث وتطوير في اسلحته، بل ووضع خطط تبين مسار عملياته ومواقع استهدافه. أمام هذا السيناريو ندعو الله عز وجل أن يمنع حدوثه، فاللجوء إليه يعني الإبادة البشرية ، والقضاء على الحضارة الإنسانيّة.
للأسف الشديد هناك تصريحات تطلق بين الحين والآخر مصدرها قادة في دول عظمى، تتضمن تهديدا ووعيدا ودعوات للدخول في حروب استراتيجية مدمرة، أكان إطلاقها هو كضغط أو كرهان أو كترويع إلا أنها تتضمن حقيقة إمكانية قدوم العالم على مثل تلك الحروب من واعز عقدة التفوق والانتصار مهما كلف الأمر ، فاليوم لم يعد لمصطلحات التعايش السلمي والتنمية الاقتصادية والديمقراطية وحقوق الإنسان مكان في قاموس هذا الزمن. لقد غادرتنا تلك المفاهيم قبل أن تنعم البشرية بخياراتها وتتعايش في أحضانها.
من تلك التصريحات هو ما تحدث به الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ودعوته للدول الأوروبية إلى ” تحرك فوري يحول من تحقيق روسيا النصر على أوكرانيا، مطالبا تلك الدول بأن ترسل قواتها لتقاتل مع الأوكرانيين. مثل هذا التصريح الخطير الذي يهدد السلام العالمي، لا يمكن اعتباره زلة لسان كما هو غيره من التصريحات التي اعتدنا سماعها، بل هو يعتد موقفا رسميا لدولة نووية، جاء على لسان رئيسها.
هذه التصريحات بذاتها تعتبر إعلان حرب ليست إقليمية بل حربا عالمية، ولهذا فقد إدانتها العديد من دول العالم بما فيها شركاء لفرنسا في حلف شمال الأطلسي.
وفي نفس السياق صرح وزير الدفاع الأمريكي “إذا خسرت أوكرانيا الحرب، أعتقد حقاً بأن حلف الناتو سيواجه روسيا وجهاً لوجه”. تصريح هو الآخر يدعو إلى حرب تهدد السلام العالمي، تطلق دون حصافة مما يدل على أن الوضع العسكري في الحرب الأوكرانية على وشك الحسم لصالح موسكو. والسؤال هل هي رسالة تهديد إلى روسيا من مغبة هزيمة أوكرانيا، أو هي مجرد دعوة لأوكرانيا كي تستمر في مواصلة الحرب رغم هزائم جيشها .
هذا التصريح أخذته موسكو على محمل الجد وجاء الرد على لسان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في خطابه السنوي أمام الجمعية الفيدرالية الروسية مشيرا إلى عواقب تدخل حلف الأطلسي في الحرب، معتبراً أنها «ستكون ذات عواقب مأساوية»، قائلاً «نحن نتذكر الذين أرسلوا وحداتهم ذات مرة إلى أراضينا، ولكن العواقب الآن ستكون على المتدخلين المحتملين مأساوية».
وحذر بوتين من مخاطر مثل هذا التدخل «الذي يهدد بالفعل بصراع باستخدام الأسلحة النووية ما يعني تدمير الحضارة العالمية» مؤشر خطير لمواجهة قادمة يكشف عن حقيقة تغيير في موازين الحرب لصالح موسكو ، وأن سياسة الناتو “بهزيمة موسكو استراتيجيا” بدأ يتبخر.
لم تأت تصريحات الرئيس الفرنسي ووزير الدفاع الأمريكي من فراغ ، فالتورط الأمريكي الغربي المباشر كشفته موسكو وأثبته تدفق الأسلحة والخبراء والمستشارين ، وهذا ما يكرره الكريملين “أن الدول الغربية قررت قبل بدء الحرب الأوكرانية وضع روسيا هدفاً لها لإضعافها ، والتخلص مما قد تسببه من تقويض لنظام القطب الواحد.
التصعيد مستمر آخرها ما قاله وزير الدفاع الروسي الأحد الماضي (إن الغرب سيثير الدهشة إن لم يفهم ما حملته إشارات الرئيس بوتين الأخيرة من معانٍ)، مؤكداً أنها ليست مجرد تلميحات بل رسائل واضحة للجميع، في إشارة إلى قول بوتين الأربعاء : إن «القوات النووية الاستراتيجية الروسية في حالة تأهب تام وجاهزة).
الخلاصة :
دخلت الحرب عامَها الثالثَ ولا مؤشرات حتى الآن تدل على وجود تسوية سلمية أو رغبة في نهاية لهذه الحرب . أما دعوة الرئيس الفرنسي فستظل خارج سياق الواقع، نظرا لخطورتها، بل أنه مثار استغراب شديد، وباعث حقاً على القلق. فالغرب يصعد، بينما يدرك قادته قبل غيرهم أن روسيا هي دولة عظمى ولا ينبغي استفزازها. وأن “استراتيجية هزيمتها ” أثبتت الأحداث عدم جدواها وأكدت الحرب فشلها. وأن التفاوض هو الخيار الأمثل، والبديل له القتل والدمار والخراب.أما استخدام “السلاح النووي” فيعني نهاية العالم.
