آداب و ثقافة

الحب في مرآة الكبار

سمانيوز / آداب وثقافة

هل يمكن أن يمر عيد الحب من دون أن نحتفل به؟ الشيء الذي يزعجني فيه هو أنهم اتخذوا يوم 14 فبراير للاحتفال به.. ولا أعرف لماذا؟ كان ينبغي أن يكون 14 مارس أو 14 أبريل أي في عز الربيع لا في عز الشتاء. من الذي قرر 14 فبراير؟ بصراحة لا أعرف. ولكن دعونا نتجاوز هذه القضايا الشكلية الفارغة، ولنحاول أن نتفلسف قليلاً حول موضوع يتجاوز كل فلسفة وكل فهم وكل عقل.

ومعلوم أن أول صفة من صفات الحب هي أنه يلغي العقل. فما أن تقع في حب امرأة ما حتى تصبح قدس الأقداس بالنسبة لك وتفقد كل ملكاتك العقلية والنقلية.

لا تعود تستطيع أن تراها كما هي: أي امرأة بين النساء. وإنما تصبح هي وحدها في جهة، وكل نساء العالم في الجهة الأخرى. وعندئذ قد يبلغ بك الحمق مبلغه فتعتقد أن الله خلقها ولم يخلق غيرها وأنها خالية كلياً من النواقص والعيوب. وربما غصت في الغباء وأوغلت في الصحراء واعتقدت أنها فوق مستوى البشر.

في أحيان نادرة تكون السيدة تستحق ذلك ولكن في معظم الأحيان لا تستحق. ومع ذلك فلا تستطيع أن تتراجع أو أن تسترد قلبك بعد أن وقعت في حبها، في شراكها. إنك تصبح عبداً لها بكل بساطة. ولذلك قالوا قديماً: الحب يذل. وهذه هي الصفة الثانية من صفات الحب: لا حب دون ذل، دون خضوع وتركيع.

المحبوبة تُخضع حبيبها وتستمتع بإذلاله على رؤوس الأشهاد. حتى أعاظم الرجال، حتى نابليون بونابرت، ركع أمام المرأة التي يحبها. وكان يفتح البلدان والقارات وتخضع له الجبابرة. ولكن جوزيفين أذلته وأهانته بل ودمرته عندما خانته مع أحد ضباطه من الشباب الوسيمين. وكان يستعطفها، يستجديها، يطلب رضاها. ولكنه انتقم منها لاحقاً عندما تزوج أميرة صغيرة في عمر بناتها أو حتى أقل. ولذلك يمكن القول بأن هناك علاقة بين الحب والانتقام. ألم تشاهدوا فيلم: غرام وانتقام؟

يقول الفيلسوف الفرنسي المعاصر أندريه كونت سبونفيل: الحب هو الموضوع الأكثر أهمية. إنه أهم من الموضوعات الفلسفية الأخرى كالأخلاق، والسياسة، والمعرفة، والحرية، والفن، والزمن، وبالطبع الموت. لماذا نقول بأنه الأكثر أهمية؟ لأنه ممتع جداً وحميمي. ثم يضيف: ما دمنا نحب ونعشق ونتألم ونستمتع فلا توجد أي مشكلة. أين تكمن المشكلة إذاً؟ عندما نصبح عاجزين عن الحب. هذا يعني أننا انتهينا. ولذلك قال سيغموند فرويد عبارته الشهيرة: “إن المرض النفسي يكمن في شيء واحد أساسي هو: فقدان القدرة على الحب بما فيها حب الذات”. عندما تصل إلى هذه الدرجة من الاكتئاب، فهذا يعني أنك وصلت إلى أسفل سافلين وعلى الدنيا السلام. من لا يستطع أن يعشق، أن يحب، أن يتلهف، فهو شخص ميت أكل عليه الدهر وشرب. وليس المهم هنا أن تصل إلى المحبوبة أو المعشوقة. أبداً، أبداً. المهم أن تشعلك من الداخل.

وحتى لو رفضتك ينبغي أن تشكرها لأنها أيقظت فيك أنبل عاطفة على وجه الأرض: أي عاطفة الحب. بمعنى آخر ليس المهم أن تصل إليها: المهم هو أن تكون في حالة حب، أن تكون قادراً على الحب. تخيل نفسك دون حب، تخيل قلبك مقفراً كالصحراء.

شكراً لك لأنك موجودة يا سيدتي. هذا يكفيني. شكراً لأن الله قد خلقك وصورك. لا أريد شيئا آخر. وربما لهذا السبب قال الفيلسوف الألماني الكبير لايبنتز: “أن تحب فهذا يعني أن تسعد لسعادة المرأة التي تحبها”. فهمنا. وماذا إذا كانت “المحروسة” سعيدة في أحضان رجل آخر؟ هل سنظل سعداء أيضاً لسعادتها؟ أنا شخصياً سأكون أتعس البشر وسأكفر بالحب والعشق والمعشوقات. ولكن ليس لايبنتز، لسبب بسيط هو لأنه فيلسوف كبير، وأنا غيور، حسود، وحقود.

أما الروائي الفرنسي الشهير بلزاك فيقول هذه العبارة التي لا أرى لها مثيلاً وأعتقد أنها تمثل أعمق تعريف للحب: الحب كالبحر: لكن بلا ضفاف! بمعنى أن الحب واسع كالبحر بل وأكثر اتساعاً من البحر بملايين المرات. لماذا؟ لأن البحر رغم ضخامته وعظمته يظل محصوراً بالضفاف. أما الحب فلا ضفاف له: إنه لا محدود، لا نهائي، مطلق الغايات.

وأما فيكتور هيغو الذي لم يترك واحدة تنجو من شره فقال: “الحب يجعلنا نحلم، ونعيش، ونؤمن”. هذا هو الحب: إنه ينعش الروح، يفجر الطاقات، يصنع المعجزات. ثم يقول أيضاً: “الرجل يريد أن يكون أول حب في حياة المرأة، والمرأة تريد أن تكون آخر حب في حياة الرجل”. بمعنى: إياك أن تعشق عليّ أيها الشيطان! وإلا فالطوفان. أو وهذا أفضل: لا قبلي ولا بعدي!.

وأما الكاتب الشهير ستندال صاحب رواية “الأحمر والأسود” فقد كان الحب في الصميم من اهتماماته، بل وألف كتاباً ضخماً عن الموضوع، ودخل في التفاصيل أو تفاصيل التفاصيل. وهذا يعني أنه كان مهووساً بالقصة. أليس هو القائل إن “الحب هو القضية المركزية، وربما الوحيدة، في حياتي”؟. ومعلوم أن إحدى الإيطاليات الفاتنات سلبت لبه وأذلته أمام الناس وجعلته ينتظر على الأبواب سنوات وسنوات. ومع ذلك فقد كان سعيداً محبوراً. ويبدو أن حب الإيطاليات لا يقاوم فما بالك بالعربيات؟ ثم لم تعطه شيئاً في نهاية المطاف.

ولكنها ألهمته إحدى الروايات العبقرية التي لا يجود بها الزمان إلا قليلاً. ماذا يريد الكاتب أكثر من ذلك؟ للأدب المجد والخلود! ألم نقل لكم بأن الأدب لا يزدهر إلا على أنقاض حب مدمر؟ رجعنا إلى ابن زيدون وأجمل قصيدة حب في الشعر العربي.

يقول ستندال: “أعظم سعادة يمكن أن يعطيها الحب هي أن تصافح يد المرأة المعشوقة لأول مرة”. ثم يضيف: “وبخاصة إذا ما أبقت يدها الصغيرة الناعمة في يدك الهمجية الخشنة لفترة طويلة عن قصد، وذلك لكي تشعلك وتدمرك أكثر”. ثم يقول أيضاً: “الحب هو معجزة الحضارات”. رائع.

وأما شكسبير فيقول ما معناه: “الحب لا يرى بالعيون وإنما بالأرواح والقلوب”. بمعنى آخر فللحب لغة خاصة تعلو على كل اللغات. وليس من الضروري أن تكون هناك لغة مشتركة بينك وبينها لكي يحصل التفاهم. لغة الحب تكفي.

أما شاعر الهند الأكبر رابندرانات طاغور الذي أشعر نحوه بإعجاب يصل إلى حد القداسة تقريباً. ماذا يقول عن الموضوع؟ “الحب هو المعنى النهائي والأخير لكل ما يحيط بنا. إنه ليس فقط مجرد عاطفة خاصة بين الرجل والمرأة. وإنما هو الحقيقة التي لا حقيقة بعدها. إنه البهجة التي هي أصل كل خلق وإبداع على هذه الأرض”. أيضاً لا تعليق. بلى تعليق بسيط: كل الإنجازات الحضارية العظيمة تقف وراءها عاطفة وحيدة هي الحب: أقصد الحب الذي يعمر القلوب، يشحذ الهمم، ينبت الزرع في الأرض البوار. بحياته كلها لم يخلق الحقد أو الكره ذرة حضارة. وبالتالي فحتى لو فشلتم ألف مرة عاودوا الكرة!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

15 + 4 =

زر الذهاب إلى الأعلى